الجمعة 13 فبراير 2026 10:28 مـ 26 شعبان 1447 هـ
المشهد اليمني
رئيس التحرير عبد الرحمن البيل
×

الجند.. معجزة النبوة وقلب اليمن المقدس! (2-5)

الخميس 12 فبراير 2026 08:54 صـ 25 شعبان 1447 هـ
الجند.. معجزة النبوة وقلب اليمن المقدس! (2-5)

الجند معبد جامع لديانات مختلفة
لا شك أن الجند كان معبداً قديماً للديانات القديمة، ومنها اليهودية والمسيحية، وقبلها القتبانية والأوسانية والسكاسك وغيرها، فقد كانت مركزاً للديانات المختلفة؛ منها ما هو مدون كاليهودية والمسيحية، ومنها غير مدون لما تكشف عنه العلوم الآثارية بعد، ولا يستبعد وجود أنبياء للمنطقة لا نعلم عنهم شيئاً بعد؛ وكانت إلى جوار مدينة سَوْرَق (بفتح السين وسكون الواو وفتح الراء وسكون القاف) من ماوية التي يوجد فيها الكثير من النقوش الحميرية، وخاصة نقوش يوسف أسأر أثأرن الملقب بذي نواس الحميري، والذي شهد مخلاف الجند في عهده أحداثاً هامة معه، خاصة في حروبه مع الأحباش، وهو كما نعلم جميعاً معتنق للديانة اليهودية التي ورثها عن آبائه وخاصة التوحيدية التي ذكرت في كثير من النقوش الحميرية باسم (رحمن ذي سماوي).
تتوزع بالقرب من الجند جبال شاهقة فيها معابد دينية مختلفة، وذات مسميات ودلالات دينية، وعلى رأسها المعبد الذي يسمى البيت رأس جبل سامع الشاهق، والذي يسكن بجواره بقايا الرهاويين أيضاً، وهناك الجبل الآخر الذي تسمى قمته بـ"قمة المتخلي"، وقد تناولنا تفاصيله في حلقات سابقة بعنوان (جبل الرب السامعي)، حتى إن سامع اسمه لآلهة قديمة بمعنى شاهد، وفي قمة جبل "سَوْرَق" يوجد أيضاً معبد قديم.
كما يوجد في أعلى جبل صب شرقاً قرية تسمى "صنمات" بفتح الصاد وكسر النون، ولا يخفى دلالتها، وكذلك "عَبَدان" شرقي صبر وغربي خدير بمعنى العابد، بينما توجد منطقة "قدس" في الحجرية وما تحمله من دلالة دينية أيضاً، وفيها أيضاً قرى "حَمَدان" بمعنى الحامد، وهكذا غيرها..
وذكر المؤرخ مطهر الإرياني، في نقاش مع الكاتب، أن هذه المعابد المتفرقة في قمم الجبال كانت للتعبد الثانوي بينما يجمعها المعبد في الجند الذي يقام في مكانه اليوم جامع الجند.
تعالوا بناً أيضاً لتحليل الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي الذي كان يهيمن على المنطقة آن ذاك..
كان مركز الجند هو الوحدة السياسية والاجتماعية الشاملة والباقية من الدول اليمنية المختلفة التي تهيمن على معظم الجغرافيا اليمنية السهلية والساحلية وبعض الجبلية من عدن وأبين جنوباً وحتى عسير غرباً وبداية الهضبة الشمالية شمالاً (فوق نقيل سمارة الذي كان يسمى نقيل صيد)، بينما كانت صنعاء مشتتة بعد قضاء الأسود العنسي على وحدتها السياسية المتمثل ببقية الفرس الحكام من أبناء باذان، في حين لم يبسط أولئكم سيطرتهم على الجند التي كان لها العديد من المراكز الحضارية وقتها ومنها مدينة الجوة التاريخية، التي هي باعتقادي عاصمة أوسان الثانية.
والجند قاع فسيح؛ أفسح وأوسع مكاناً وانبساطاً من جغرافية مدينة تعز، ويحوي أرضاً زراعية خصبة، ويحوي حوضاً مائياً غنياً، ويصلح لأن يكون المدينة الجديدة لتعز لاستيعاب التوسع السكاني والعمراني المنفجر في محافظة تعز.
كان القيل الحارث بن عبد كلال هو المسيطر على مدينة الجوة التي هي عاصمة المعافر والجند حينها، كما ذكر ذلك الهمداني في الصفة، فقال: أما الجوة من عمل المعافر فالرأس فيها والسلطان عليها آل ذي المغلس الهمداني ثم المراني من ولد عمير ذي مران قيل همدان الذي كتب إليه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ؛ إذ لا نعلم رسالة أخرى غير تلك التي وجهها النبي -صلى الله عليه وسلم- للحارث بن عبد كلال أثناء منقلبه من غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة، كما في السير المختلفة، وكذلك زرعة ذو يزن الرهاوي، وقد يكون هذا الأخير هو المسيطر على الجؤة وقاعدة ملكه لاعتبارات الموقع والتواجد الأسري القبلي فيها.
وقد كان الحارث ملكاً وشاعراً وصاحب مكارم وبيان، ورب سيف وسنان. كان من عظماء أقيال حمير ومشاهيرهم في الجاهلية وصدر الإسلام.
كتب النبي –صلى الله عليه وسلم- إليه وأخيه وأمر رسوله أن يقرأ عليهما (لم يكن الذين كفروا)..إلخ.
ولما وفد الحارث على النبي –صلى الله عليه وسلم- اعتنقه وأفرش له رداءه، وقال قبل أن يدخل عليه: يدخل عليكم من هذا الفج رجل كريم الجدين، صبيح الخدين. وكان النبي –صلى الله عليه وسلم- أرسل إلى الحارث بن عبد كلال المهاجر [بن أبي أمية كما قال المؤرخ محمد الأكوع] فأسلم وكتب إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- شعراً يقول فيه:
ودينك دين الحق فيه طهارة *** وأنت بما فيه من الحق آمر
وابن الأثير يذكره أن مقر ملكه في نجران، وهو أمر بعيد كل البعد عن الحقيقة لاعتبار أن أصحاب نجران موضحين في كتب النبي ووفوده من بني الحارث بن كعب، والفرح يذكره في "حصن حب" في سمارة، بينما رسالة النبي واضحة يستوصيه بمعاذ وإعطائه الصدقة، ومعاذ لم يكن إلا في الجند!
ونجران من المعلوم أن من أرسل إليها خالد بن الوليد أولاً، ثم علي بن أبي طالب ثانياً لتخميس الأخماس وقبض الصدقة لا للفتح والولاية.
ولنقف قليلاً مع هذه الرسالة النبوية "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله النبي إلى الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان، قيل ذي رعين ومعافر وهمدان، أما بعد ذلكم: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، فإنه قد وقع نبأ رسولكم منقلبنا من أرض الروم، فلقينا بالمدينة، فبلغ ما أرسلتم به، وخبرنا ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، وأن الله قد هداكم بهداه، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من المغانم خمس الله، وسهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وصفيه [يعني مستخلصه ومستصفاه خاصاً به -صلى الله عليه وسلم- وليس كما يذهب إليه الإماميون أن مقصده علي (الصفي)]، وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر، وأن في الإبل في الأربعين ابنة لبون، وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، وفي كل خمس من الإبل شاة، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين تبيع، جذع أو جذعة.
وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، وإنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيراً فهو خير له، ومن أدى ذلك، وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم، وله ذمة الله وذمة رسوله، وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين له ما لهم، وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته، فإنه لا يرد عنها، وعليه الجزية على كل حالم ذكر وأنثى، حر أو عبد دينار واف، من قيمة المعافري أو عوضه ثياباً.
فمن أدى ذلك إلى رسول الله فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعاً".
وبعد مرجع النبي -صلى الله عليه وسلم- من تبوك قدم كتاب ملوك حمير، وهم الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان بن قيل ذي رعين، وهمدان ومعافر، ورسولهم إليه -صلى الله عليه وسلم- مالك بن مرة الرهاوي، بعثوه بإسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله، وكتب إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتاباً بين فيه ما للمؤمنين وما عليهم، وأعطى فيهم المعاهدين ذمة الله وذمة رسوله إذا اعطوا ما عليهم من الجزية، وبعث إليهم رجالاً من أصحابه أميرهم معاذ بن جبل.(الرحيق المختوم: صـ413)، ومن هذا الكلام نستدل أن معاذ بن جبل كان والي ولاة النبي على مخاليف اليمن ومرجعهم جميعاً.
وهناك خلط كبير وروايات متعددة في الرسل الذين أرسلهم النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى الحارث بن عبد كلال؛ فمنهم من يقول: المهاجر بن أبي أمية، ومنهم من يقول: جرير بن عبد الله البجلي، ومنهم من يقول: عَمْرُو بنُ حَزْم بن زيد، ويبدو أنهم أرسلوا متفرقين، غير أن الرسل الأساسيين حددهم النبي –صلى الله عليه وسلم- في رسالته إلى الحارث وأخيه وزرعة الرهاوي، وهم: معاذ بن جبل، وعبدالله بن زيد، ومالك بن عبادة، وعقبة بن نمر، ومالك بن مرة، وأصحابهم. ويبدو أن أولئك الرسل -غير معاذ- كانوا مكلفين إيصال الصدقة والجزية إليه ويبقى معاذ والياً هناك على الجميع، كما في كل السير والرسائل والأحاديث، مع أن الحديث التوجيهي لمعاذ: أن خذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم، بينما ما يذهب للرسول –صلى الله عليه وسلم- فقط سهم الله وخمس النبي وما يتم اصطفاؤه له، كما هو واضح من الحديث أعلاه.
قال النبي في رسالته إليهم: "أما بعد، فإن رسول الله محمداً النبي أرسل إلى زُرعة ذي يزن أن إذا أتاكم رسلي فأوصيكم بهم خيراً: معاذ بن جبل، وعبدالله بن زيد، ومالك بن عبادة، وعقبة بن نمر، ومالك بن مرة، وأصحابهم. وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخاليفكم، وأبلغوها رسلي، وإن أميرهم معاذ بن جبل، فلا
ينقلبن إلا راضيا".
أما العمال الذين ذكروا في السير على أنهم ولاة لمخاليف اليمن كصنعاء وحضرموت وتهامة وغيرهم فإنهم كانوا عمال الصدقة؛ أي يجبون الصدقة والزكاة للنبي -صلى الله عليه وسلم- بنص رسائل النبي –صلى الله عليه وسلم-، أما الولاية العامة والتعليم فكانت كلها لمعاذ.
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد بعث أمراءه وعماله على الصدقات إلى كل ما وطأ الإسلام من البلدان؛ فبعث المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة إلى صنعاء، فخرج عليه العنسي وهو بها، وبعث زياد بن لبيد أخا بني بياضة الأنصاري إلى حضرموت وعلى صدقاتها،...،...، وبعث علي بن أبي طالب –رضوان الله عليه إلى أهل نجران ليجمع صدقتهم ويقدم عليه بجزيتهم.
ويذكر ابن إسحاق مبعثين للمهاجر؛ فمرة يذكر بعثه للحارث بن عبد كلال بعد صلح الحديبية في السنة السابعة للهجرة، وبين بعثه الآخر إلى صنعاء في آخر حياة النبي –صلى الله عليه وسلم- في السنة الحادية عشرة عند خروج الأسود العنسي عليه وعلى الأبناء، وربما كان عنده المبعث واحداً وقد اختلط عليه الأمر كونه لم يفصل في ذلك، وما يثبت مبعثه الأول للحارث بن عبد كلال في السنة السابعة هو إرسال الحارث ومن معه من الحميريين والرهاويين مالك بن مرة الرهاوي إلى الرسول في السنة التاسعة للهجرة يعلمه بإسلامهم ومن معه وقتاله المشركين من قومه، وذلك حتى لا يختلط الأمر على المؤرخين وعلى الناس.
ونستدل على أن معاذ بن جبل كان والياً على كل اليمن حينما جاءته رسائل النبي لمواجهة الأسود العنسي في صنعاء، "وظل أمر صنعاء مشتركاً بين فيروز وداذويه وقيس بن مكشوح إلى أن جاء معاذ بن جبل إلى صنعاء، فارتضوا أن يكون هو الأمير عليهم، ولكنه لم يمكث إلا ثلاثة أيام بها حتى بلغهم خبر وفاة رسول الله عليه الصلاة والسلام"، بحسب الدكتور علي الصلابي.
وقد كان الرهاويون وأميرهم زرعة ذو يزن الرهاوي والسكاسك وبنو الأسود والرعينيون وغيرهم، هم سادة الجند وأمراؤها حينها، والرأس على الجميع كملك كان الحارث بن عبد كلال.
ويتوزع الرهاويون –حالياً- بين الجند ويافع وسامع وبني يوسف وخدير وبعض إب، وكذلك السكسكيون/السكاسك يتوزعون بين هذه المناطق سواء بنسبهم السكسكي أو بالشعوبيين/الأشعوب (أشعوب السكاسك كما في بعض الوثائق والكتب التاريخية الأهلية)، بينما بنو الأسود لم نعلم عنهم شيئاً اليوم إلا نادراً وربما كان بنو الأسودي اليوم في دبع ينسبون إليهم؛ فكثير من القبائل في تعز تحديداً لم يحتفظوا بمشجرات أنسابهم لذوبان الجميع في المجتمع المدني.
والحقيقة أن المراسلة بين النبي –صلى الله عليه وسلم- وبين أقيال اليمن المذكورين في الرسالة العامة تحتاج إلى بحث تفصيلي وتفكيك مقاصيدها بدقة للوصول إلى غايتها الحقيقية؛ فالكثير من المؤرخين والرواة والباحثين يخلط في أمرها، وتتشابه عليه كثير من الأمور والمقاصد والأسماء والمناطق المكررة وتتشابه ويتداخل بعضها في بعض، كما يوردها الرواة والشراح، وسأكتب عنها وعن رسل الرسول-صلى الله عليه وسلم- في بحث مستقل ومكمل لهذا البحث لمزيد من التوضيح –إن شاء الله-.
ومن أهم المتشابهات هو تكرار ورود اسم القبائل والمناطق وتعددها وتوزعها بين شرق اليمن وغربه كما هو حال السكاسك والسكون في مخلاف الجند، والسكاسك والسكون من كندة في حضرموت، وكندة في حضرموت، وكندة في شرعب وريمة ووصاب، والرهاويون في يافع، والرهاويون في الجند وسامع وبني يوسف.
ونجد أن الهمداني والأكوع يرجعان السكاسك إلى نسب أعلى من حمير وموغل في القدم، وهو ما نستنتج منه شمول دولة السكاسك المفقودة على كل اليمن ولم تقتصر فقط على مخلافي الجند والمعافر.
...يتبع