لا للفوضى ولا لتقويض الشرعية .. السعودية ترسم الخط الأحمر
منذ الساعات الأولى لإعلان المجلس الانتقالي الجنوبي إجراءاته الأحادية الخبيثة، عمل تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية بكل إمكانياته، وبعث موفدين إلى حضرموت وعدن، وظل ملتزمًا بروح التفاؤل والحرص على ضرورة عودة هذا الفصيل، الشريك في مجلس القيادة والحكومة اليمنية، إلى جادة الصواب وتغليب صوت العقل.
ورغم استمرار الانتقالي في خطواته التي تنمّ عن جهل سياسي وغباء فطري، إلا أن البيان السعودي كان أكثر حرصًا على عدم إراقة الدماء، ووجّه رسائل قوية للانتقالي ولكل من تسوّل له نفسه الخروج عن أهداف تحالف دعم الشرعية، الذي قدّم تضحيات كبيرة في سبيل إنقاذ اليمن لا تمزيقه، أو العمل لصالح أهداف ومصالح ضيقة.
إن الطلب الذي تقدّم به مجلس الدفاع الوطني، بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، وبمشاركة جميع أعضائه، بما فيهم قيادات جنوبية، إلى تحالف دعم الشرعية لحماية المدنيين في حضرموت ومصالح الدولة اليمنية القانونية، كان بمثابة تجديد للتفويض السابق الذي تقدم به الرئيس اليمني آنذاك عبد ربه منصور هادي في عام 2015، ووضع السعودية بصفتها قائدة التحالف أمام التزام أخلاقي لاستكمال تنفيذ أهداف تحالف دعم الشرعية وعدم التخلي عنها.
إن الرسالة القوية التي وجّهها وزير الدفاع السعودي والمسؤول الأول عن الملف اليمني، سمو الأمير خالد بن سلمان، إلى الشعب اليمني، لا تزال تحمل آمالًا كبيرة، وفي الوقت نفسه تحذيرًا أخيرًا وحاسمًا بأن الصبر سينفد، وأن عضّ الأصابع لن ينفع، وستفقدون كل شيء، حتى القضية الجنوبية التي كانت ولا تزال في صدارة أي عملية سياسية، بل نالت الكثير من الاستحقاقات التي استعرضها سمو الأمير على حسابه في منصة "إكس"، ربما تفقد مكانتها.
وقد عبّرت هذه الرسائل التي بعثها سمو الأمير بشكل واضح وصريح، ومع أننا كيمنيين مؤمنون إيمانًا مطلقًا لا شك فيه، أن السعودية لم تُضحِّ بفلذات أكبادها في اليمن من أجل مصالح ضيقة، بل من أجل إنقاذ أشقائها، الذين لم تتأخر يومًا منذ تأسيس الدولة السعودية وحتى اليوم عن الوقوف إلى جانبهم.
لقد عرض سمو الأمير خالد بن سلمان أسباب الاستجابة السريعة لطلب الشرعية اليمنية، سواء في عاصفة الحزم وإعادة الأمل، أو استجابته اليوم لمجلس الدفاع الوطني الذي شاركت فيه أكثر من عشر قيادات جنوبية، مؤكدًا أن تحالف دعم الشرعية شارك بجهود ضخمة في سبيل استعادة سيطرة الدولة اليمنية على كامل أراضيها، وكان لتحرير المحافظات الجنوبية دور محوري في تحقيق ذلك، وهو تأكيد واضح من سمو الأمير على الشراكة والتضحيات الذي قدمها إخواننا في المحافظات الجنوبية من اجل استعادة وطننا الكبير اليمن.
كما أكد أن المملكة تعاملت مع القضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية عادلة لا يمكن تجاهلها أو اختزالها في أشخاص، أو توظيفها في صراعات لا تخدم جوهرها ولا مستقبلها، وجمعت كافة المكونات اليمنية في مؤتمر الرياض لوضع مسار واضح للحل السياسي الشامل في اليمن، بما في ذلك معالجة القضية الجنوبية، وكفل اتفاق الرياض مشاركة الجنوبيين في السلطة، وفتح الطريق نحو حل عادل لقضيتهم يتوافق عليه الجميع من خلال الحوار دون استخدام القوة.
وأكد سمو الأمير في رسالته "أن المملكة وأشقاؤها في التحالف قدموا تضحيات بأبنائهم وإمكاناتهم مع إخوتهم أبناء اليمن لتحرير عدن والمحافظات اليمنية الأخرى، وكان حرص المملكة الدائم أن تكون هذه التضحيات من أجل استعادة الأرض والدولة، لا مدخلًا لصراعات جديدة، وأن يُصان الأمن لليمنيين كافة، وألا تُستغل تلك التضحيات لتحقيق مكاسب ضيقة"، هذه الفقرة بحد ذاتها تأكيد على نهج وسياسة المملكة الثابتة تجاه اليمن أرضًا وإنسانًا.
إن هذه الدولة العظيمة لا تمتلك قوة في القرار العربي فحسب، بل أيضًا في القرار العالمي، وهي عضو فاعل في الرأسمالية العالمية لا تزال في رسالتها اليوم، تعطي رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي وزمرته فرصة أخيرة للعودة إلى جادة الصواب قبل أن ينفد الصبر، الذي له حدود، ولا ينبغي عليه المجازفة في قضية عادلة تحظى باهتمام الجميع.
التطورات الراهنة اليوم حاسمة وصريحة وتضع عيدروس وزمرته أمام الأمر الواقع والمتمثل في التعقل والعودة إلى جادة الصواب كون أي عملية سياسية ستكون القضية الجنوبية ضمنها، بل في صدارة الملفات التي ستُطرح على الطاولة في أي حوار قادم، وهذا ليس قرار الدول الضامنة (المملكة العربية السعودية والإمارات) فقط، بل أيضًا قرار أبناء اليمن من حرض وحتى سقطرى والقيادة السياسية ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، الذين يرون في أبناء المحافظات الجنوبية شركاء في الروح والدم والوطن، لا مجرد مواطنين لا قيمة لهم.
إننا في المحافظات الشمالية كنا وسنكون إلى جانب إخواننا في المحافظات الجنوبية والشرقية في قرارهم حين تكون مخرجات أي عملية سياسية ظالمة، وسنكون جنودًا إلى جانبهم لمنع الحوثي من دخول المحافظات الجنوبية في أي تسوية سياسية لا تعطي الشعب اليمني حقه كاملًا.
حينها ستكون المحافظات الجنوبية ملجأً لأحرار اليمن، لا موطنًا للخيانة والارتهان لإيران أو إسرائيل (الحلفاء الخفيين الذين يسيرون في مخطط واحد لتمزيق بلادنا منذ عقد من الزمن، وكان الحوثي ينفذ أجندتهم). لكن هذا الإجراء الأحادي الذي أقدم عليه الانتقالي، وكأنه يقول إنه يمثل الجنوب، مع أنه لا يمثل حتى 5% من أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية بل يرفضونه.
لقد أثبت أن الانتقالي أنه لا يختلف كثيرًا عن الحوثي في خطواته، بل أيضًا ارتهان للمشروع نفسه الذي يسير عليه الحوثي، خصوصًا في ظل ورود تقارير عن عقد الانتقالي لقاءات مع مسؤولين إسرائيليين.
كما أن خطوة الانتقالي جاءت بالتزامن مع خطوة مماثلة أقدم عليها الاحتلال الإسرائيلي بالاعتراف بالانفصاليين في الصومال، وهي خطوات هدفها تفكيك الدول العربية واستكمال مشروع موّله الاحتلال ونفذته إيران ومليشياتها في سورية واليمن والعراق ولبنان طوال السنوات الماضية.
إعلان تحالف دعم الشرعية اليوم يؤكد رسالة واضحة للانتقالي أن وفود الوساطة ذهبت بروح المحبة والأخوة إلى كل مكان إلى حضرموت وعدن وعقدت لقاءات لأيام وعملت بكل ما لديها من صبر مطلق من أجل مصالح اليمن العليا وحرصة على وحدة الصف ورفض العنف، لكنه اليوم لن يتراجع ولن يتنازل، بعد تفويض القيادة الشرعية له، إلحاقًا بالتفويض السابق، عن قانونية الدولة.
وفي الوقت نفسه، فإن كل أبناء اليمن يلفتون إخوانهم وشركائهم في المحافظات الجنوبية والشرقية لبلادنا إلى خطورة خطوات الانتقالي الأحادية ومساعيه لعودة التشطير التي لا تعني الكرامة لهم، بل تعني تمزق البلاد إلى دويلات، واضطهاد الشعوب، والتصفية على الهوية، وعودة الجوع والأزمات الخانقة وغيرها، كما كان سائدًا قبل الوحدة.
خلاصة القول، على المجلس الانتقالي عدم المراهنة على الفوضى والعنف وإراقة الدماء، وإنما على الحوار والاستجابة السريعة لرسائل تحالف دعم الشرعية وللسعودية، الذين لا يزالون يتعاملون معه بحكمة وصبر كبير. فلن تحقق القضية الجنوبية أي مصالح، ولن يستفيد الجنوبيون من أي عنف سوى الموت والدمار، وعودة التأميم ونهب الممتلكات الذي كان مفروضًا قبل الوحدة.
ويجب على الانتقالي أن يعي جيدًا أن الطريق الصحيح هو العودة إلى جادة الصواب، والالتزام بالشراكة الوطنية، وتنفيذ بنود اتفاق الرياض في توحيد الجيش اليمني والأمن تحت إدارة واحدة، وإيقاف الفساد، والعمل كصف واحد في مواجهة الانقلاب الحوثي، واستعادة الوطن الكبير، الذي لن ينعم أبناؤه بالخير إلا بالخلاص من الحوثي، والبقاء كدولة جامعة للجميع، لنعيش بسعادة كما كان عقب الوحدة، التي استعاد فيها أبناء محافظات حضرموت وعدن ولحج والضالع مكانتهم وممتلكاتهم وأرضهم، وعاش الفرد فيهم يتمتع بكامل حقوقه كإنسان لا كمأمور لا يستطيع حتى إكرام حتى ضيفه إلا بموافقة النظام قبل عام 1990م .













