حرب صيف 94 بين التزوير والاستثمار (7-8)
المظلمة التاريخية الجنوبية بين الواقع والاستثمار
ومن أهم الأخطاء في حرب 94 لدى الشرعية هي في عملية النهب التي جرت لمؤسسات الدولة وبيوت القادة المنهزمين من الجنوب وتقاسم الأراضي المؤممة للدولة وليست أراضي المواطنين بالطبع، ومخازن السلاح والذخيرة التابعة لوزارة الدفاع الجنوبية في الوزارة أو في جبل حديد أو غيرها، وبعد الحرب جرت عمليات الإقصاء الكبيرة لضباط وجنود جنوبيين وتسريح الكثير منهم من الجيش وحرمانهم من رواتبهم التي يعتمدون عليها في معيشتهم، والتي كونت لهم مظلمة تاريخية لو عولجت في حينها لما كنا نعيش تبعاتها إلى اليوم، رغم كتاباتنا المستمرة منذ تسعينيات القرن الماضي سواء في الشمال أو الجنوب عن ذلك.
هذه المخازن نهبت مجدداً في يومي 26 و27 مارس 2015 عندما دخل الحوثيون عدن وهربت القيادات العسكرية وخاصة مخازن جبل حديد من قبل الجنوبيين أنفسهم في عدن؛ فقد كنت شاهداً على ذلك الحدث ونحن نرى طوابير الناس مكتظة في الجبل والطرقات محملة بالأسلحة الخفيفة والذخائر المختلفة لتتحول عدن إلى سوق لباعة السلاح والذخيرة، وشهدت مخازن الجبل تفجيرات مختلفة لمخازنه؛ انفجر بعضها بمن داخله من الناهبين، وراح ضحيته العشرات في هذه التفجيرات.
لم يكن مرتب الجندي أو الضابط الجنوبي شيئاً أساسياً فقط يتقاضاه أجراً كموظف حكومي؛ بل لقد كان المرتب بالنسبة لهم هو الحياة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى؛ إذ لا يعرف تجارة ولا اقتصاداً ولا حرفة مهنية ولا غيرها يعتمد عليها، كما يفعل أبناء الشمال؛ فلا يملك إلا راتبه المعروف من الدولة، والمواد الأساسية التي تصرفها عليه الدولة لا التي يشتريها من ماله المكتنز، ومن هنا صدم الجميع بالواقع الجديد، وكان تسريح كثير منهم من الجيش هو الحكم عليهم بالموت، ومن هنا بدأت الأزمة والدافع للحراك الجنوبي الذي لقي كل تعاطف وترويج من كافة أبناء اليمن بمن فيهم أولئك الذين في السلطة ولا يملكون القرار أساساً؛ فالقرار مان بيد الرجل الأول في الدولة وهو الرئيس علي عبدالله صالح كما يعلم الجميع.
وصارت الاحتجاجات تكبر يوماً بعد آخر، تغذيها جهات خارجية متربصة باليمن وتستثمرها للنيل من اليمن لتمزيقه، ووجدت إيران والإمارات ضالتهما في جزء من مكونات الحراك الجنوبي الذي هو الانتقالي اليوم وتبنيه في الضاحية الجنوبية لبيروت تدريباً عسكرياً وثقافياً وتمويلاً بتواطؤ إماراتي، ما لبثت أن استحوذت عليهم مؤخراً، فصاروا يدها في اليمن إلى جانب مكون طارق.
لم يكن أبناء الجنوب وحدهم من سُرّح من الجيش؛ فهناك من أبناء الشمال أيضاً من سُرِّح من الجيش، وحرموا وظائفهم ورواتبهم ورتبهم ودراستهم وهم ليسوا قلة، بتهم الولاء للحزب الاشتراكي، وكان كاتب هذه السطور أحدهم، وأعرف الكثير منهم أيضاً كزملاء.
رغم تسريح ضباط وجنود شماليين أيضاً كانوا متهمين بالولاء للاشتراكي ومتعاطفين مع الانفصال، أو محسوبين على محافظة تعز لتشكك علي صالح من نصرتها سراً الانفصاليين إلا أن تأثير التسريح عليهم لم يكن بمقدار حتى 10% من تأثيره على الجنوبيين؛ فقد تحولوا إلى مهنيين وتجار ووظائف مدنية ويجنون أكثر مما يجنونه من العسكرية، وكذلك مغتربين في الخارج، وبالتالي لم تتكون لديهم مظلمة ولم يشاركوا الجنوبيين حراكهم، ولم يلبثوا في الشكاء والبكاء بل انطلقوا في مجالات أخرى.
إستطاع الاشتراكي والبيض والجنوبيون لعب دور الضحية، وكوّن له مظلمة تاريخية بحرب ٩٤ بفعل آلته الإعلامية الجبارة وكوادره المنظمة والخبيرة إعلامياً، ومغالطة الشعب اليمني والخارج الذين لا يرصدون الأحداث ولا يكترثون لها فور انتهائها، كما يفعل الشعب اليوم مع الإرهاب الحوثي، وصور الأمر كما لو كان غزواً شمالياً صرفاً للجنوب قائماً على العسكرة والضم والإلحاق التي كرسها الاشتراكي في إعلامه والجنوبيون في حراكهم ومظلمتهم، رغم الاتفاقيات الطوعية المدنية والمعمدة دولياً.
يتجاهل الحراكيون، وعلى رأسهم الانتقالي اليوم، وكل من يتحدث باسم مظلومية الجنوب من سياسيين وإعلام محلي وخارجي أن بعض اشتراكيي الشمال قاتل أيضاً مع الجنوبيين في تلك الحرب إخوانهم الشماليين، كما قاتل جنوبيون إخوانهم الجنوبيين وكان دورهم حاسماً للمعركة، وقامت كثير من الشخصيات الشمالية بتجنيد المقاتلين لصالح الجنوب باعتبار الأيديولوجية الاشتراكية، وقد عانى من قاتل من الشماليين مثل معاناة الجنوبيين، وأعرف كثيراً منهم في المعسكرات، وبالتالي هنا تسقط صورة الغزو والضم والإلحاق.
تحولت الوحدة عند الجنوبيين (الانفصاليين منهم) إلى مَنٍّ وزَنٍّ وكأنهم متفضلون على بقية اليمن بهذه الوحدة ومنحوهم الحياة، أو أنهم كانوا في الجنة والشماليون كانوا في الجحيم، وكلما تغاضى الشماليون عن كل المشاكل التي يثيرها الجنوبيون المانّون بها وتقديم التنازلات والسير في المعالجات المختلفة للقضية الجنوبية إلا أنها تحولت إلى واقع استثماري سياسي وحق يراد به باطل، ويستثمر خارجياً للإضرار بمصالح اليمن وتفتيته وإضعافه ومن ثم السيطرة عليه، والنفاذ إلى تدمير الوطن من خلال تلك المظالم والاستثمار الخارجي الممول، كما يحدث اليوم.
وقد عالج الحوار الوطني هذه المسألة في مخرجاته بكل تفاصيلها وأبعادها، وتم الاعتذار للجنوبيين في ذلك الحوار، وأعاد الرئيس هادي كل المبعدين العسكريين الجنوبيين فقط، وأصدر قرارًا بمنحهم كافة مرتباتهم ورتبهم وعلاواتهم وغير ذلك، وجاء الرئيس العليمي وزاد في المسألة وعالجها باستعادة قرابة 53 ألف موظف بين ضباط وعساكر وموظفين مدنيين، وأمر بتعويضهم وترقياتهم وصرف مرتباتهم؛ حتى أعلن عن موازنة شهرية لهذه الرواتب بموازنة قدرها أربعة مليار ريال شهرياً، وصرف والمرتبات المتأخرة، لكن كلما تم تقديم التنازل فتحت أفواههم طلباً للمزيد، بينما لم يُسوَّ وضع المسرحين العسكريين من الشماليين أسوة بالمسرحين الجنوبيين!
يتجاوز الشماليون الأحداث بسلاسة طالما أنهم يخرجون من محنتها بمجرد تغير وضعهم المعيشي؛ فيتحولون إلى مهنيين وتجار، أو يلتحقون بوظائف مدنية أخرى، وبعضهم يهاجر للاغتراب خارج الوطن ونسي كل شيء؛ فذاكراتهم لا توثق كما ذاكرة الجنوبيين.
الحقيقة أن علي سالم البيض والحزب الاشتراكي لم يكونا بريئين؛ فقد كانا أول من بدأ الحرب، ورفض كل سبيل للتقارب قبل الحرب، ويتحمل معظم مسؤولية هذه المظلمة.
صحيح أن علي صالح اغتال بعض كوادره وشخصياته؛ ابرزهم العقيد ماجد مرشد سيف، مستشار وزير الدفاع هيثم طاهر قاسم، والتسابق إلى السيطرة على مؤسسات الدولة وممارسة الإقصاء أعطاه ذلك دافعاً قوياً للتراجع عن الوحدة، أو مبرراً سياسياً، لكنه خذل جماهيره وخان شعبيته؛ فقد كانت شعبيته تفوق شعبية الشمال وصالح والإصلاح حينها، حتى داخل معسكرات الشمال، وكان يُنظر إليه كالمخلِّص، لكنه خيب ثقة الجماهير فخذلته، إلا أن الظروف ساعدت علي صالح أكثر من علي سالم البيض.
الجماهير حينما تُخذل من قبل قاداتها الذين تعول عليهم في تغيير المواقف، وتمضي بهم إلى بر الأمان واتضاح الخيط الأبيض من الخيط الأسود فإنها أول من تتخلى عن تلك القيادة، وتنهزم ميدانياً خاصة إذا لم تكن تلك القيادة ذات أخلاق وذات مشروع شجاع وواضح يلتف حوله الشعب كله.
لقد تحولت مظلمة ٩٤ من قضية عادلة ومظلمة تاريخية لها كل الحق في الانتصار لمظلوميتها إلى قضية ظالمة بفعل حَمَلَتِها ومن يدعون تمثيلها، خاصة الانتقالي، وبفعل التعنت وعدم القبول بالمعالجات وضرب الوطن والمواطنين، وكلمة حق أريد بها باطل للاستغلال، ومارس المجلس الانتقالي اليوم الذي يدعي تمثيل القضية الجنوبية وتصدرها وصولاً إلى ممارسة الانفصال وغزو المحافظات الشرقية وارتكابه فظائع تفوق ادعاءات ما ارتكبه نظام صنعاء، رغم أنه مكون إلى جانب مكونات كثيرة كتموا أنفاسها بالبطش والإرهاب، وارتكابه نفس جرائم صالح سابقاً، بل أشد وأنكى؛ فقد قام باغتيال العلماء والدعاة السلفيين والإصلاحيين وبعض الصحفيين وبعض القادة السياسيين والعسكريين، وامتلأت سجونه بالمظلومين جنوباً وشمالاً، وترحيل الشماليين من أعمالهم في المؤسسات ومحلاتهم التجارية، وغزو المحافظات، وفرض الرأي الواحد، وقمع الحريات، ونهب الأموال، وتقاسم الأراضي، ناهيك عن الارتهان الكلي للخارج سواء عبر المشروع الإيراني أو الإماراتي لاحقاً أو المزج بينهما، وصولاً إلى الطامة الكبرى في محاولة التطبيع الانفرادي مع الكيان الصهيوني وبناء جسور تواصل وعلاقات عبر الإمارات العربية المتحدة لم يتجرأ بها نظام من قبل.
عندما غزا الانتقالي حضرموت والمهرة قامت عناصره بنهب كافة المؤسسات وبيوت المواطنين والمحلات التجارية لتجار شماليين، في عملية نهب منظمة أشد وأنكى من التي شهدتها حرب 94، وهذا بشهادة وتصريح محافظ محافظة حضرموت سالم الخنبشي لقناة اليمن الرسمية قبل أيام.
ولو قلنا إن الجنوبيين ردوا الصاع صاعين بعمليات القتل والاغتيال والنهب والسلب والتدمير لم نجافي الحقيقة وهي تجري على أعين وتسجيلات كاميرات التصوير وليست مجرد إشاعات مغرضة أو دعايات مضللة كالتي روج لها عن حرب 94 على قلتها.
صورت حرب ٩٤ بفعل الاعلام والتيار الجارف على أنها غزوٌ مسلح، وضمٌ وإلحاق، وهي عكس ذلك؛ فقد كانت وحدة طوعية اندماجية، وجرى تثبيتها بعدة مثبتات؛ استفتاء على دستورها، ووضع مواثيقها في كل المؤسسات والمحافل الدولية، وكذلك جرت انتخابات ليست نزيهة كلياً كما يراد لها بل كانت نزيهة إلى حد كبير، ووثيقة العهد والاتفاق، ثم الحرب التي كانت دفاعية وليست هجومية بطبيعة الحال.
وحيث إن الحزب الاشتراكي هو من بدأ الحرب فقد كانت بين طرفي الوحدة خسر فيها الاشتراكي وكسب طرف علي صالح، وبالتالي هذه مغالطة تاريخية، وقد كان فريق من الجنوبيين وهو طرف علي ناصر أكبر عوامل الانتصار ولا يسمى غزواً إلا في الإعلام المضاد والجهات المستثمرة لها.
وعلى الرغم من سلبيات وأخطاء تلك الحرب إلا أنها أنظف حرب شهدتها اليمن في العصر الحديث مقارنة بحروب اليمن اليوم كيف أنها حرب لا أخلاقية لم تراعَ فيها قواعد الحروب ولا أخلاقها المختلفة.
اليوم الانتقالي باعتباره مستثمراً لتلك القضية يمارس أكثر وأكبر خطأ وجُرماً بحق المخالفين، ويُكَوِّن مظلمةً جديدة وقضيةً جديدة للآخرين؛ باحتلال وقمع محافظات بقوة السلاح، وعدم الاستماع إلى صوت العقل ومطالب أبناء تلك المحافظات، وهكذا ستدور العجلة مع مظلمة جديدة تتكون كل يوم وتبقى اليمن في صراع مستمر لا يهدأ، ولم يقتصر شره على الداخل اليمني حتى أنه ساند مليشيا الدعم السريع في السودان بالمتطوعين.
ففي يوم 10 سبتمبر 2009 قام الحراك الجنوبي المسلح والمتطرف (اتهم فيها عيدروس الزبيدي حينها وعلي سيف محمد الشعيبي وآخرون) بقتل تاجر الحلويات حميد علي سعيد القباطي - 50عاما- بالمنطقة الذي قتل مع نجليه فايز وياسر، وجرح صهره خالد علي عبدالله ونجله ياسين بجروح أسعفا إلى المستشفى، في حادثة هزت مشاعر كل اليمنيين حينها.
وبحسب الأخبار المنشورة في الصحف والمواقع الإلكترونية حينها فقد اتهم أمين عام المجلس المحلي لمحافظة لحج حيدرة ماطر عناصر الحراك الجنوبي بقتلهم، معتبراً أن القضية سياسية وليست جنائية، مرتبطة ب"الهوية شمالي- جنوبي" والتعامل العنصري الذي ظهر منذ ذلك الحين ويكرر اليوم كثيراً.
في المناطق الجنوبية يقوم الانتقالي بالتضييق على أبناء الشمال، ويصادر متاجرهم وأراضيهم، ويمنع الكثير منهم الدخول إلى عدن سواء للعمل أو العودة إلى مساكنهم وأعمالهم، وقد رأينا كيف يتم إهانة أبناء الشمال وخاصة أبناء تعز الداخلين إلى عدن، وكيف يتم ترحيلهم بشاحنات، ولم يكتف بذلك بل تقطع لشاحنات إغاثية أممية في أشد أوقات الحصار لتعز، ناهيك أنه يحاصر تعز من إمدادها بالسلاح أو الذخيرة القادمة من قيادة الشرعية بمارب ويصادر كل شحنات الذخيرة والسلاح، كما قام بمصادرة شحنة أسلحة وذخيرة في يافع كانت متجهة لمقاومة آل حميقان في أشد الظروف صعوبة مما تسبب بهزيمة منكرة للمقاومة ودخول مليشيا الإرهاب الحوثية آل حميقان بعد سنوات من التصدي والممانعة وعدم الاستسلام إلا حين غدر به الصديق الانتقالي نصرة للحوثي الإرهابي!
.... يتبع













