الجمعة 13 فبراير 2026 08:45 مـ 26 شعبان 1447 هـ
المشهد اليمني
رئيس التحرير عبد الرحمن البيل
×

حسابات الحقل وحسابات البيدر! خيبة آمال أبوظبي في نيودلهي وخطوطها الحمراء !

السبت 24 يناير 2026 11:56 صـ 6 شعبان 1447 هـ
حسابات الحقل وحسابات البيدر! خيبة آمال أبوظبي في نيودلهي وخطوطها الحمراء !

ثلاث ساعات فقط كانت كافية لنيودلهي لترسم حدود طموحات أبوظبي الإقليمية. زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى الهند في 19 يناير الجاري، رغم بريقها الدبلوماسي واتفاقياتها الاقتصادية الضخمة، حملت رسالة لا لبس فيها: الهند لا تشتري أحلام الإمارات في قيادة الشرق الأوسط، ولن تكون جندياً في حروبها بالوكالة.
فبعد أن وقّع الجانبان “خطاب نوايا” فقط لإطار شراكة دفاعية مستقبلية، سارع وزير الخارجية الهندي فيكرام ميسري لتوضيح الموقف قائلاً: “التعاون الدفاعي مع أي دولة لا يعني انخراطنا في صراعات المنطقة.” الرسالة كانت واضحة: أبوظبي، أنتِ وحدك في اليمن… وحدك في السودان… وحدك في ليبيا… ووحدك أمام صراعك المتصاعد مع الرياض.

التوقيت الفاضح

توقيت الزيارة كشف أكثر مما أخفى. فقد جاءت بعد أسابيع من انتكاسة كبرى للطموحات الإماراتية في الجزيرة العربية. ففي ديسمبر 2025 شنّ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من أبوظبي هجوماً على المهرة وحضرموت، مهدداً الحدود السعودية ومطمحاً للهيمنة على جنوب اليمن ومضيق باب المندب. لكن الرياض ردت بعنف في 30 ديسمبر، وقصفت شحنة أسلحة إماراتية في المكلا، واتهمت أبوظبي بتهديد أمنها القومي. تحت الضغط العسكري والسياسي، انهار المجلس الانتقالي، وفرّ عيدروس الزبيدي مطلع يناير 2026، لتطوى صفحة النفوذ الإماراتي في الجنوب.
وفي خضم ذلك، التزمت الهند الصمت، بل أظهرت رضاها - على مايبدو - عن التقدم السعودي نحو المحيط وتعزيز موقعها الجيوسياسي بالقرب من الهند. إدراكاً منها بعمق المصالح المشتركة مع الرياض.

لعبة الأرقام: لماذا السعودية؟

بالنسبة للهند، الحسابات واضحة وبسيطة. السعودية ليست مجرد شريك، بل ركيزة اقتصادية واستراتيجية. فهي تزوّد نيودلهي بـ 14.3% من وارداتها النفطية (نحو 33 مليون طن سنوياً)، والتجارة بينهما بلغت 41.88 مليار دولار في العام الماضي، مع التزام سعودي باستثمار 100 مليار دولار في الهند، نصفها في مشاريع الطاقة.
يضاف إلى ذلك 2.7 مليون عامل هندي في المملكة يشكّلون أكبر جالية أجنبية هناك ويرسلون مليارات الدولارات سنوياً إلى بلادهم، ما يجعل الاستقرار في العلاقة مع الرياض مسألة أمن وطني للهند.
ثم جاء عامل جديد أكثر حساسية: التحالف الدفاعي السعودي-الباكستاني الموقع في سبتمبر 2025، والذي ينص على أن أي اعتداء على أي منهما يُعد اعتداءً على الآخر. بالنسبة لنيودلهي هذا خط أحمر استراتيجي، فهي تدرك أن فقدان التوازن مع السعودية قد يدفعها أكثر إلى أحضان إسلام آباد، وهو ما لا تريده بأي حال.

ما الذي كانت تريده أبوظبي؟

كانت الإمارة تطمح إلى أكثر من اتفاقيات تجارية؛ أرادت شراكة استراتيجية حقيقية تمنحها ثقلاً سياسياً في مواجهة الرياض، ودعماً لتحركاتها في اليمن والسودان. لكنها لم تجد في دلهي ما تتمنى. حصلت على اتفاقيات اقتصادية واستثمارات متبادلة وتعاون في مجالات الفضاء والطاقة النووية، لكن حين تعلق الأمر بالدعم الاستراتيجي، وجدت الأبواب موصدة.

البراغماتية الهندية

الهند تدير سياستها الخارجية بمنطق المصلحة لا بالعواطف. فهي تريد نفط السعودية واستثماراتها وعمالتها، كما تريد تجارة الإمارات وموانئها، لكنها ترفض الدخول في صراعات لا تخصها. وكما قال الباحث أندرياس كريغ: “أبوظبي تريد فوائد القرب من الهند دون تحمل التزامات نزاعاتها الإقليمية، والهند تفعل الشيء ذاته.”
تصريحات وزير الخارجية الهندي بأن الاتفاقية الدفاعية “تطوير طبيعي للتعاون القائم” لم تخفِ حقيقتها: جاءت في لحظة دقيقة بعد انفجار الخلاف السعودي-الإماراتي والتحالف السعودي-الباكستاني لتؤكد أن نيودلهي لا تنحاز، بل توازن.

الدرس القاسي

اكتشفت الإمارات أن الهند ليست حليفاً استراتيجياً بالمعنى الكامل الشامل بل شريك اقتصادي براغماتي يضع مصالحه فوق كل اعتبار. لم تحصل منها على دعم في اليمن أو السودان. ولم تجد منها موقفاً ضد الرياض. " خطاب النوايا" ليس تحالفاً عسكرياً. بل وسيلة توازن في معادلات الخليج، ومشروع تعاون صناعي لا أكثر.
الرسالة من نيودلهي كانت صريحة: الإمارات شريك اقتصادي مهم، لكنها ليست من تُبنى التحالفات العسكرية لأجل طموحاتها. فالهند اختارت والخيار كان الرياض والتوازن الاقليمي. لا أبوظبي والمقامرات غير المحسوبة.

موضوعات متعلقة