من قصص معتقلات الانتقالي
بعد أن استكمل «علي الأكحلي» إجراءات معادلة شهادته الأكاديمية في العاصمة المؤقتة عدن حيث مقر وزارة التعليم العالي، أراد في اليوم التالي العودة إلى تعز حيث كلية الطب التي درس بها، استوقفته نقطة تفتيش عدن مول، وطلب المسلحون أوراق الهوية لـ «علي» ورفيقه «ص»، نظر المسلحون إلى بطاقة علي:
«انتظر خمس دقائق».
كانت الخمس الدقائق كثيرةً لغرض التأكد من البيانات والسماح لـعلي وصاحبه باستئناف السفر. ضغط المسلحون دقائق الانتظار تلك بوصول سيارتين عسكريتين، نزل منها عدة مسلحين ووجهوا أسلحتهم النارية إلى وجه «علي» ووجه صديقه «ص» اللذان كانا داخل سيارتهم في انتظار إرجاع أوراقهم الشخصية.
قيد المسلحون علي وصاحبه، وطرحوهم على الأرض ثم عصبوا على أعينهم ونقلوهم إلى نقطة أخرى.
كانت النقطة الأمنية الجديدة، هي نقطة «العشاق»، لا علاقة للاسم بالرومانسية المعروفة عنه، سيقترن بذهن الطبيب الشاب وصاحبه بأولى مراحل التعذيب. يقود عشاق النقطة أو القائمين عليها، شخص اسمه أحمد محمد الربيعي، وهو قيادي في الحزام الأمني التابع للمكون الانفصالي المدعوم من الإمارات.
وجه الربيعي سؤالاً لـ «علي»:
ـ لماذا نزلت عدن؟
ـ لدي أوراق خاصة بالجامعة.
تتطلب إجراءات التعليم العالي، عند معادلة شهادات خريجي كلية الطب مثلاً، الذهاب إلى عدن. المعاملات الأكاديمية في مناطق الشرعية تتم في مقر وزارة التعليم العالي التابعة لحكومة الشرعية المعترف بها دولياً.
لم تكن الإجابة المقنعة، فصلوا بين «علي» وصاحبه، وظلوا يعذبونهم في نقطة العشاق لمدة خمسة أيام، كانت أعينهم مغطاة طوال الوقت كي لا يرون وجوه معذبيهم خلال تلك الأيام، لكنهم كانوا يسمحون لهم رؤية وجوه المحققين مثل المدعو علي المرفدي، وكذلك قائد نقطة العلم الشهيرة على مدخل عدن، ناصر الجهري، الذي طلب من «علي» سرد قصة حياته من الميلاد إلى لحظات وجوده بينهم مكبلاً يسرد حكايته.
بدا أن المحققين لا يعرفون ماذا يريدون بالضبط من «علي». تغير الأمر بعد اليوم الخامس، حين طلب أحد المحققين معلومات حول الشيخ حمود المخلافي، الرجل الذي شكل نواة المقاومة الشعبية بتعز وقادها لمواجهة جماعة الحوثي، أكد لهم «الأكحلي» أنه لا يعرف الشيخ، أصروا على معرفة ما يعرفه عن الشيخ وأنكر علي معرفته بالشيخ، ما حدا بالحزام الأمني نقله برفقة أربع مدرعات.
في الطريق طلبت إحدى النقاط بطاقة تعريفية للرجل الذي يقود «علي» إلى مكان ما، رد عليهم الرجل:
«معكم القائد يسران المقطري».
سلم يسران المقطري «علي» و «ص» إلى معسكر تابع للإماراتيين كما عرف حين بدأ ضابطا يستجوبه بلهجة خليجية، حاول «علي» النظر من تحت الغطاء الذي لم يكن محكماً، عندما طلب الضابط من أحد مساعديه أخذ بصمة عين علي الأكحلي، رأى العلم الإماراتي على كتف الضابط، وبعد أخذ البصمة، سأله الضابط عن انتمائه الحزبي، ثم عن علاقته بالشيخ المخلافي.
لا يوجد علاقة، أصر علي، عقب ذلك كان الإماراتيين أكثر وضوحاً معه وطلبوا منه العمل لصالحهم:
ـ «سوف نوفر لك إقامة مع عائلتك في الإمارات» عرضوا عليه.
ـ «والمقابل؟»
ـ «باختصار تصفية حمود المخلافي».
منحوه مهلة ليفكر بالمهمة، الطبيب الشاب في مأزق، الفرق بين تصفية جراح المرضى وتصفية الشيخ هو الفرق بين الحياة والموت، اهتدى إلى فكرة منحهم الموافقة ليخرج من السجن ثم لا ينفذ. أبلغهم بالموافقة بعد أيام، ولكنهم كانوا أحذق منه:
ـ «أرسل أسرتك للإمارات أولاً».
وقع «علي» في فخ الخطة، رفض العرض، قيدوه وبدأوا العمل: إغراقه بالماء ثم تغطية وجهه بخرقة مبللة حتى تكتتم أنفاسه، ضرب وركل في كل أنحاء الجسم خاصة البطن والظهر والرأس، وعقب ذلك، اقتادوه إلى داخل مروحية استمرت بالطيران ساعات طويلة حتى هبطت في منطقة لا يعرفها، رموه بداخل زنزانة انفرادية: مترين في مترين، داخلها معتم، رائحة الفرش عفنة، الهواء يدخل من فتحة صغيرة من تحت الباب فقط، بعدها نقلوه إلى زنزانة بداخلها أربعة أشخاص، كان واضحاً عليهم أنهم معتقلون من مدة طويلة، الشعر كبير على رؤوسهم التي بدت مخيفة، ورائحة أجسادهم كريهة:
ـ «أين نحن؟» سألهم
ـ «في عصب اريتريا» ردوا عليه.
في زنزانة عصب في ارتيريا، كان المحققون أول ما يفتحون الباب يطلبون من «علي» الاستدارة إلى الجدار حتى لا ينظر إليهم رغم أنهم يرتدون الأقنعة، لم تختلف الأسئلة في عصب ارتيريا عن أسئلة عدن:
ـ «إلى أي حزب تنتمي؟ ماذا تعرف عن الشيخ حمود المخلافي؟»
الجديد الذي سمعه س في التحقيقات بأريتريا الأسئلة التي تدور حول تركيا وقطر، والعمالة، ومن يعمل معهم وكيف؟ كانت التحقيقات تبدأ من الساعة 12 ليلا، مع تعذيب موحش: ضرب وقلع أظافر اليد وصعق بالكهرباء.
استمر ذلك لمدة شهر تقريباً، بعدها كان «علي» داخل المروحية التي ستعيده إلى عدن، وتحديداً إلى سجن اسمه قاعة وضاح، استقبلوه القائمون على السجن بأسلاك الكهرباء، وأخبروه:
ـ «الداخل إلى القاعة مفقود والخارج منها مولود».
في سجن قاعة وضاح بعدن، التقى «علي» مجددًا بصديقه «ص»، واستأنف المحققون والمعذبون عملهم، كانت الأسئلة مكررة لكن التعذيب كان أكثر وحشية: ضرب وتعذيب بالكهرباء، حرمان من النوم، قلع ما تبقى من أظافر، حرق للأرجل، استمر هذا التعذيب سبعة أشهر بصورة يومية. سبعة أشهر إلا يوماً واحداً لم يعذب فيها خريج كلية الطب ورفيق سفره، وخلال فترة التعذيب أُجبرا على تصوير فيديو يعترفا فيها بارتكاب جريمة لم يرتكبوها ولم يعلموا بها، أمام الكاميرا، أجبروهم على القول بأنهم نفذوا عددا من الأعمال والجرائم بدعم من الشيخ المخلافي وقطر والإخوان المسلمين، وبعض التيارات.
ـ «لماذا قمت بهذه المهمات؟» سألوا «علي» أمام الكاميرا، وطلبوا منه قراءة الجواب المكتوب في الورقة:
«الشيخ حمود اختطف أولادي في تركيا، ومارس ضدي ضغوطا حتى قبلت».
بعد أيام طلبوا منه تسجيل فيديو يقول فيه أن الإمارات قصفت إرهابيين في مدخل مدينة عدن، وأنه كان على علم بهذه القوات، لم يعرف «علي» عما يتحدثون به تحديداً، عرف فيما بعد أن الطيران الإماراتي قصف وحدات من الجيش الوطني في نقطة العلم، ــ حيث كانت هذه القوات على وشك الدخول إلى عدن وانتزاعها من مسلحي المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات ـ طلبوا منه التأكيد على أن المئات الذين قتلوا بالقصف؛ إرها**بيين تابعين للقا*عدة ونائب الرئيس علي محسن.
رغم تسجيل ما يريدونه، إلا أنهم لم يطلقوا سراحه وصديقه، أضرب عن الطعام لأكثر من أربعة أسابيع، بدأ جسمه يهزل، تضخمت الكلى، كاد يموت، فاضطر القائمون على قاعة وضاح، لنقل علي إلى المستشفى.
في المستشفى، كان خريج كلية الطب، يصرخ كمريض معتقل يطلب النجدة لا كخريج من كلية الطب يريد العمل، صرخ بأعلى صوته فأعاده جنود قاعة وضاح إلى السجن، ولكن حالته حتمت عليهم إحضار الطبيب:
ـ «هذا الرجل سوف يموت هنا إذا لم ينقل إلى الخارج».. قال لهم الطبيب ذات يوم.
.....
ملاحظة: بعد أيام، حمل المسلحون من قاعة وضاح، الاكحلي، وألقوه بأحد شوارع عدن.
....
المصدر: تقرير "أشد العذاب" صادر عن منظمة سام.. ديسمبر 2024
التقرير يسرد أكثر من 40 قصة من قصص المعتقلين الذين تعرضوا للتعذيب في المعتقلات المختلفة..













