الجمعة 13 فبراير 2026 03:24 مـ 26 شعبان 1447 هـ
المشهد اليمني
رئيس التحرير عبد الرحمن البيل
×

هل ”المظلومية” هي سبب المطالبة بتقسيم اليمن؟

الأحد 18 يناير 2026 11:50 مـ 30 رجب 1447 هـ
هل ”المظلومية” هي سبب المطالبة بتقسيم اليمن؟

علينا التفريق بين احترام رغبة بعض إخوتنا في المحافظات الجنوبية المطالبين بالتقسيم حتى وإن كنا ممن يتمسكون بوحدة البلاد، وبين تفنيد الأكاذيب والمبالغات التي يتم استخدامها وتوظيفها لتسويق التقسيم وكأنه نتيجة "مظلومية" من طرف واحد ضد طرف آخر..!
لأكثر من عقدين، تم تقديم الشماليين في خطاب بعض أهلنا في الجنوب بوصفهم "فاسدين وناهبين وجهلة وقبائل متخلفة"، وتم تصوير الوحدة كعملية "ضم وإلحاق بالقوة"، وتم تسويق مفهوم "الاختلاف الثقافي" بين الشمال والجنوب كتبرير للانفصال، وكأن المشكلة في جينات الشماليين أو طبيعتهم الاجتماعية.
هذه الاطروحات ليست مجرد ردود أفعال، بل كانت عملية تعبئة ممنهجة تهدف لصناعة حاجز نفسي بين الناس في الشمال والجنوب وسبق وكان لدي سلسلة مقالات في 2010 بعنوان "سياسة صناعة الكراهية في اليمن".
اللافت أن أغلب الشماليين -رغم هذا الخطاب الذي هدفه تقبيح كل شمالي- لم يدخلوا في صدام تعبوي مضاد، بل تعاملوا بمسؤولية وصبر مع حالة الاندفاع العاطفي هذا التي قدمت مجتمعات بأكملها كشياطين مع شديد احترامي للأصوات العقلانية التي كانت وما زالت ترفض هذا الخطاب..!
والآن وبعد عشر سنوات من سيطرة المجلس الانتقالي على أغلب مدن جنوب اليمن.. ماذا ظهر؟
الواقع ساهم في كشف ما كان العقلاء يقولونه طوال السنوات الماضية. نفس الفساد الذي كان يقال إنه "شمالي".. ونفس السطو القبلي الذي كان يقال إنه "شمالي".. الجهل ذاته والحروب الداخلية التي كان يقال إنها "ماركة شمالية" نفسها. كذلك "التنوع الثقافي" الذي يستخدم لتبرير الانفصال اليوم واضح داخل الجنوب نفسه. الضالع ويافع ولحج تختلف عن حضرموت والمهرة.. هذا هو المنطق نفسه الذي يستخدم كمبرر للفصل بين الشمال والجنوب.
وبالعودة إلى الماضي، كثيرون يتحدثون عن حرب 1994 وكأنها "عدوان شمالي على الجنوب". لكنهم يتجاهلون الحقيقة التي تؤكد أن آلاف من أهلنا في المحافظات الجنوبية كانوا قادة وجنودا في صفوف الجيش الذي قاتل إلى جانب مشروع الوحدة..!
وقبل ذلك في السبعينيات كانت الحرب تشن من النظام اليمني الجنوبي على الشمال لفرض الوحدة بالقوة، بمساعدة شماليين، كما حدث في 1994 ولكن بصورة معكوسة. وللعلم، لولا أن الاتحاد السوفيتي بدأ يضعف ويتراجع اقتصاديا وسياسيا بشكل كبير في الثمانينات، لكان إخواننا في الجنوب قد نجحوا في توحيد اليمن بالقوة وحدث ما يصفوه هم "ضم وإلحاق". وبناء على هذه التفاصيل، فان القول إن الشماليين فرضوا "الوحدة القسرية" يعد نصف الحقيقة وليس كلها..!
أتمنى أن نجد من يتحدث عن معالجة آثار حروب النظام اليمني الجنوبي ضد الشمال لفرض الوحدة بالقوة والتي نتج عنها آلاف القتلى والجرحى والمخفيين. وللعلم ما زالت الألغام التي زرعها الرفاق في المناطق الوسطى شاهدة على تلك المرحلة الصعبة التي أرادوا فيها "ضم وإلحاق الشمال بالجنوب".. نتمنى أن يعترف الجميع أنهم أخطأوا في حق اليمن شمالا وجنوبا وشرقا.
خلاصة القول التي يحاول البعض القفز فوقها:
نحن من نفس الطينة ونفس التراب.. والفساد والظلم والفشل ليس شماليا ولا جنوبيا ولا شرقيا. الذي حدث في الجنوب حدث في الشمال، والذي حدث في الشرق حدث في الشمال والجنوب معا.. وإذا كانت الأخطاء مبررا للتقسيم، فإن خرائط كثيرة في العالم ستتمزق..!
أنا وحدوي حتى النخاع وسأبقى بل وأدعم أي مكون جنوبي أو شرقي يتمسك بالوحدة بالطريقة التي يراها مناسبة.. وفي الوقت نفسه، أجدني لا استطيع مصادرة حق من يطالبون ببناء كيانهم الخاص. مع ذلك، هذا لا يمنعني من الدفاع عن الحقيقة أمام المجتمع الإقليمي والدولي الذي يتابع. من غير الصائب الاستمرار في ترويج أطروحة غير واقعية والقول إن "التقسيم نتيجة مظالم"، لأن الواقع ينفي هذه الاطروحة، فالتقسيم هو قبل كل شيء طموح سياسي نجح في تعبئة الناس مستغلا الفوضى وضعف الدولة وفوق ذلك تلقى -مؤخرا- دعما سخيا.
قد تبقى الوحدة اليمنية وقد لا تبقى.. هذا أمر بيد الله عز وجل وليس على أحرار اليمن شمالا وجنوبا وشرقا إلا أن يبذلوا كل جهدهم للحفاظ على هذه القيمة الإنسانية والوطنية العظيمة.
أما السخرية والاساءة للشماليين والكذب عليهم بهدف تبرير التقسيم يجب ألا يبقى. لأن هذه الأساليب ليست مشروعا سياسيا بل تحريض غير أخلاقي ضد شعب كامل مستمر منذ أكثر من ثلاثة عقود والله المستعان.
ولهذا.. فإن الواجب في هذه المرحلة الحساسة هو تفكيك وتفنيد الأطروحات التي تستخدم اليوم لتبرير التقسيم، وبشكل صريح وموضوعي ومن دون إساءة أو تحقير لأي طرف. لأن ما يروج له في كثير من المنابر عن "مظلومية جنوبية" أو "اختلاف ثقافي" يمنع الوحدة، يحتاج مراجعة دقيقة أمام المجتمع الإقليمي والدولي.
التجربة أثبتت خلال العقود الثلاثة الماضية أن ما يجري هو مشروع سياسي متغير، تحركه مصالح وسلطات وتحالفات، لا صراع ثقافي ولا جيني ولا أخلاقي أو قيمي بين الشمال والجنوب والشرق.
عندما تُفهم المسألة على حقيقتها، ربما تتغير الطريقة التي يتعامل بها الإقليم والعالم بل واليمنيين أنفسهم!.