هذه قصة أبو عبيدة الناطق الشهيد لكتائب الشهيد القسام
مع إعلان كتائب عز الدين القسام استشهاد ناطقها العسكري، كُشف رسميًا عن هوية الرجل الذي ظلّ صوته حاضرًا في ساحات المواجهة منذ أكثر من عقدين، دون أن تُعرف ملامحه أو تفاصيل حياته، ليُسدل الستار على مسيرة إعلامية ارتبطت بمحطات مفصلية في تاريخ الصراع على غزة.
وأعلنت الكتائب أن ناطقها العسكري المعروف بلقب “أبو عبيدة” هو حذيفة سمير عبد الله الكحلوت، مؤكدة استشهاده في قصف جوي إسرائيلي استهدفه وعائلته في حي الرمال غرب مدينة غزة بتاريخ 30 أغسطس 2025، بعد سنوات من كونه هدفًا مطلوبًا لإسرائيل.

منذ ظهوره الأول عام 2002، برز أبو عبيدة متحدثًا رسميًا ووحيدًا باسم كتائب القسام، بوجه ملثم وكوفية حمراء وصوت جهوري، في مشهد أصبح ثابتًا خلال الحروب والمواجهات الكبرى، وكان ظهوره يرتبط عادة بإعلانات عمليات أو بيانات عسكرية في سياق العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
وُلد حذيفة الكحلوت في 11 فبراير 1985 بمخيم جباليا شمالي القطاع، فيما تعود أصول عائلته إلى مدينة المجدل (عسقلان) في جنوب غربي فلسطين التاريخية. وخلال مرحلته الثانوية، انضم إلى “الكتلة الإسلامية”، الجناح الطلابي لحركة “حماس”، قبل أن يلتحق بكتائب القسام في منطقة جباليا، حيث خضع لتدريبات عسكرية وثقافية ودينية.
حصل الكحلوت على درجة الماجستير في أصول الدين من الجامعة الإسلامية في غزة، فيما وصفه قيادي في حركة “حماس” بأنه كان يجمع بين الطابع العسكري الجاد وروح الدعابة. وبحسب مسؤول في الحركة، تولّى منصب الناطق الرسمي باسم القسام منذ عام 2002.
في يونيو 2006، أعلن أبو عبيدة عن عملية مشتركة نفذتها “حماس” مع لجان المقاومة الشعبية والجيش الإسلامي، وأسفرت عن أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الذي أُفرج عنه لاحقًا ضمن صفقة تبادل عام 2012 مقابل أكثر من 100 أسير ومعتقل فلسطيني، من بينهم قيادات بارزة في الحركة والفصائل، من ضمنهم يحيى السنوار، رئيس “حماس” السابق الذي قُتل خلال الحرب الأخيرة.
وخلال السنوات اللاحقة، اعتبره مسؤولون في “حماس” وفصائل فلسطينية أخرى من أبرز رموز المقاومة في غزة، مرجعين ذلك إلى لغته الخطابية المباشرة وإعلاناته المتكررة عن عمليات عسكرية وتهديدات موجهة لإسرائيل.
عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023، المعروف باسم “طوفان الأقصى”، ظهر أبو عبيدة بعد ساعات قليلة ليعلن تفاصيل الهجوم، قبل أن تتحول بياناته المتلفزة، مع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، إلى مادة متابعة واسعة فلسطينيًا وإقليميًا ودوليًا.
وبحسب مصدرين مطلعين في “حماس”، أصبح أبو عبيدة منذ بداية الحرب من القادة البارزين داخل كتائب القسام، وأحد المقربين من دائرة صنع القرار في المجلس العسكري الذي كان يقوده محمد الضيف قبل اغتياله، كما كان على صلة وثيقة بقادة بارزين آخرين، من بينهم مروان عيسى ومحمد السنوار، الذين قُتلوا خلال الحرب.
وتعرض أبو عبيدة، وفق المصادر، لمحاولات اغتيال إسرائيلية عدة على مدار السنوات الماضية، قبل أن يُعلن رسميًا مقتله في غارة جوية استهدفت مبنى كان بداخله. وفي حين أعلنت إسرائيل حينها أن الضربة استهدفت ما وصفته بالجهاز الإعلامي للقسام، التزمت “حماس” الصمت إلى حين إعلان النعي الرسمي.
وأوضح مسؤول في حركة “حماس” أن للحركة سياسة تنظيمية في الإعلان عن مقتل قادتها، سواء بالتأكيد الفوري أو التأجيل، لأسباب داخلية وأمنية، مشيرًا إلى أن الحركة تعتمد آليات تنظيمية لتعيين بدلاء وفق لوائحها ونتائج انتخاباتها الداخلية لعام 2021.

وبيّن المسؤول أن الحركة انتهت مؤخرًا من ملء الفراغات في أطرها القيادية العامة والمناطقية، بتعيين قادة جدد بدلًا ممن اغتالتهم إسرائيل، ومن بينهم رائد سعد، مسؤول وحدة التصنيع العسكري، إضافة إلى قادة في محافظة غزة والقطاع.
وفي بيانها، نعت حركة “حماس” خمسة من كبار قادة جناحها العسكري، هم: محمد السنوار قائد الأركان، ومحمد شبانة قائد لواء رفح، ورائد سعد قائد ركن التصنيع العسكري، وحكم العيسى قائد ركن الأسلحة والخدمات القتالية، إلى جانب حذيفة الكحلوت، قائد الإعلام العسكري والناطق السابق باسم كتائب القسام.
وأشار بيان المتحدث الجديد باسم القسام إلى أنه سيحتفظ بلقب “أبو عبيدة”، واصفًا سلفه بأن كوفيته الحمراء تحولت إلى رمز، وأنه كان “الملثم الذي أحبه الملايين”.
ورغم أن وجهه لم يُكشف يومًا، بقي صوت أبو عبيدة حاضرًا في ذاكرة المواجهات الكبرى، بوصفه ناطقًا عسكريًا ارتبط اسمه بمحطات الحرب، دون أن يغادر موقعه حتى إعلان استشهاده.













