الجمعة 13 فبراير 2026 03:23 مـ 26 شعبان 1447 هـ
المشهد اليمني
رئيس التحرير عبد الرحمن البيل
×

رشاد العليمي: آخر عكّاز للدولة اليمنية… ومسؤولية الانهيار ليست فردية

الأحد 21 ديسمبر 2025 03:02 مـ 2 رجب 1447 هـ
رشاد العليمي: آخر عكّاز للدولة اليمنية… ومسؤولية الانهيار ليست فردية

في ذروة الانهيار الوطني الذي تعيشه الجمهورية اليمنية، يتصاعد خطاب غاضب يبحث عن متهم سهل، فيختزل مأساة مركّبة في شخص واحد، ويحوّل رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى عنوان للفشل، وأحيانًا إلى متهم بالخيانة.

هذا الغضب مفهوم، بل مشروع.
لكن الخطير فيه أنه لا يكتفي بالتنفيس، بل يذهب مباشرة إلى تحطيم آخر واجهة قانونية للدولة اليمنية، وكأن إسقاط ما تبقى من الشرعية سيعيد الدولة، أو يصحّح المسار.

السؤال الحقيقي ليس: من نُحمّل غضبنا؟
بل: ماذا يعني كسر آخر عكّاز تقف عليه الدولة، في لحظة لا تملك فيها الجمهورية غيره؟

رشاد العليمي لا يقود دولة مكتملة السيادة، ولا يمسك بمؤسسات فاعلة بالمعنى الحقيقي.
هو يقف على رأس كيان:
▪️منزوع السيادة.
▪️مُفتّت القرار.
▪️مُحاصر بتوازنات إقليمية خانقة.
▪️مخترق بمشاريع متناقضة داخل معسكر الشرعية نفسه.

ومع ذلك، يظل هذا الكيان بكل هشاشته –:
▪️آخر تمثيل قانوني للدولة اليمنية.
▪️آخر مظلة سياسية معترف بها دوليًا.
▪️آخر مركز يُبقي الصراع ضمن إطار الدولة لا الميليشيات.

تحطيم هذه الواجهة لا يُسقط شخصًا، بل يُسقط فكرة الدولة ذاتها.

من الحقائق التي يجري تجاهلها عمدًا أن رشاد العليمي:
▪️لا يملك قوة عسكرية خاصة.
▪️لا يقود تشكيلًا مسلحًا.
▪️لا يستند إلى ميليشيا، ولا إلى ولاء قبلي أو مناطقي.

في مشهد تُقاس فيه السياسة بعدد البنادق، يصبح هو الأضعف ماديًا و الأكثر هشاشة…
لكن في المقابل وبالنسبة للعليمي ،هو الأكثر شرعية وقانونية.

ومن يعرف الرجل عن قرب يدرك أنه:
▪️رجل دولة هادئ.
▪️من أكثر اليمنيين إلمامًا بتعقيدات الملف اليمني.
▪️يفكر بعقل مؤسسي لا بعقل غنيمة.
▪️يؤمن بالاحتواء ولمّ الصفوف، لا بالإقصاء وان استغله الانتهازيون.
▪️ويؤمن بالدولة كفكرة، لا كأداة سيطرة.

لكن هذا النمط من القادة لا ينجح في بيئة تُدار بمنطق القوة الخشنة،
خصوصًا إذا تُرك وحيدًا، وطُلب منه ما لا تملكه صلاحياته ولا أدواته.

النقد حق، بل واجب.
لكن الانتقال من نقد الأداء إلى تخوين الرجل ليس شجاعة سياسية، بل عجز عن تشخيص الأزمة الحقيقية.

الفشل شيء،
والخيانة شيء آخر.
والخلط بينهما تدمير للوعي العام، لا تصحيح للمسار.

نعم، هناك إخفاقات… لكن المسؤولية ليست فردية
لا أحد ينكر الإخفاقات:
▪️بطء في اتخاذ القرار
▪️تساهل مع أطراف ذات مشاريع مضادة للدولة
▪️عجز عن فرض هيبة السلطة في بعض المناطق.
▪️ارتباك في إدارة الملفين الاقتصادي والخدمي.
▪️واستغلال قذر لمشاريع تفتيتية دون مواجهة حازمة منه.

لكن السؤال الجوهري: هل كان يملك الأدوات ليكون غير ذلك؟
تحميله وحده مسؤولية تركة:
▪️حرب طويلة
▪️وانقسام حاد
▪️وتدخلات إقليمية
▪️وشرعية قائمة على المحاصصة

لماذا لا يجوز خذلان آخر واجهة للدولة وعدم التنصل من المسؤولية الجماعية؟

لأن البديل واضح وخطير:
▪️شرعنة الأمر الواقع الحوثي
▪️ تفكيك اليمن إلى مشاريع ما دون الدولة.
▪️تحويل البلاد إلى ساحة بلا مرجعية قانونية.

ولأن الدولة لا تُبنى بإسقاط رموزها واحدًا تلو الآخر، بل بحماية ما تبقى منها، وتصحيح مسارها من الداخل.

و خذلان العليمي في هذه اللحظة
ليس عقابًا لفرد، بل هدية مجانية لكل من يعمل على إنهاء فكرة الجمهورية.

والمسؤولية اليوم ، هي مسؤولية جماعية
فما تحتاجه المرحلة ليس متهمًا جديدًا، بل اصطفافًا وطنيًا حقيقيًا:

▪️قيادات سياسية تتحمل مسؤوليتها بدل الاختباء خلف النقد.
▪️أحزاب تقدّم مشاريع دولة لا شعارات
▪️مكونات وطنية تضع اليمن قبل الحسابات الضيقة.
▪️وقيادات عسكرية تدرك أن الدولة لا تُبنى بالبندقية وحدها.

فرشاد العليمي لن يستطيع حمل هذا العبء منفردًا، والرهان عليه بلا سند وطني حقيقي، رهان خاسر.

إذاً :
رشاد العليمي ليس خائنًا.
وليس منقذًا أسطوريًا.
بل آخر واجهة قانونية لدولة تتداعى.

إنقاذ الدولة لا يمر عبر إسقاطه،
بل عبر تحمّل الجميع لمسؤولياتهم إلى جانبه،
وتحويل الشرعية من كيان مُعطّل إلى مشروع وطني جامع.

في لحظات الانهيار،
الدول لا تُقاس بقوة قادتها فقط،
بل بقدرة نخبها على عدم تدمير آخر ما تبقى منها.

واليمن اليوم…
لم يعد يملك ترف كسر آخر عكّاز يقف عليه.