البيض .. عندما تكون القيادة موقف
رحم الله البيض، فقد غادرنا بعد رحلة طويلة ومضنية في العمل الوطني امتدت عقودًا من الزمن، مناضلًا في صفوف حركة القوميين العرب، وفدائيًا خضع للتأهيل العسكري، وقائدًا في صفوف الجبهة القومية، وعضوًا في مكتبها العسكري، ثم رئيسه، وهذه درجة لم يبلغها سوى بعض قادة الثورة البارزين في الجبهة القومية.
كان أول من دخل ردفان الملتهبة بعد عبدالله المجعلي الذي تولى قيادة الثورة في جبهتها الأولى ردفان بعد استشهاد لبوزة رحمهما الله، وذلك بشهادة رفاقه الكبيرين سعيد صالح سالم، ومثنى سالم عسكر. كان يشرف على الجبهة، ويزوِّد الثوار بالسلاح، وينقل إليهم توجيهات القيادة.
قاتل في أكثر من جبهة، ودخل عدن قبل رحيل آخر جندي بريطاني منها، وكان هو والعولقي والخامري والآلاف من الفدائيين ممن استقبلوا قحطان الشعبي في عدن والوفد المفاوض معه العائد بوثيقة الاستقلال من جنيف، وذلك في الساعات الأولى لإعلان جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية. شهد كقائد كل انتصارات وانكسارات الدولة الفتية، وخاض في سياساتها، منتصرًا لقيم العدالة والحرية والمساواة، متمتعًا برحابة الأفق السياسي والفكري.
أختير عضوًا في القيادة العامة في مؤتمر الجبهة القومية الثاني بعد مؤتمر التأسيس الأول في صنعاء، ويمكن لرفاقه أن يؤكدوا هذا أو يصححوه، وعضوًا بارزًا في الحزب الاشتراكي. ولأن الحزب الاشتراكي كان هو القائد لمرحلة ما بعد الاستقلال وحتى الوحدة، فقد حافظ على موقعه القيادي في مكتبه السياسي، حيث تُصنع السياسات، وتُتخذ القرارات المصيرية، وتُعيّن وتقاد الحكومة سياسيًا.
إسمه كان يرد مع ذكر فتاح وسالمين ومحمد علي هيثم وناصر ومطيع ومقبل وعنتر ومصلح والعولقي هؤلاء هم رموز مرحلة، من مراحل التجربة الوطنية، وقبل ذلك كان اسمه رديفًا لإسمي قحطان وفيصل عبداللطيف. فهو إول وزير دفاع للجمهورية الفتية، بعد أن اعتذر قائد الجيش حسين عشال عن قبولها، وكان عشال قد انحاز للجبهة القومية وكان أحد قادة المرحلة من القطاع العسكري.
كانت القيادة عند البيض موقف وقرار، فإليه دون غيرة من القادة جميعًا يعود قرار إعفاء آخر ضابط بريطاني من العمل في اليمن. ولم يكن القرار عاديًا، فهؤلاء هم خبراء عسكريون بريطانيون، كما أن في القرار تجاوزًا لصلاحية الرئيس، وفيه مخاطرة بما يمكن أن تسفر عنه المحادثات مع بريطانيا بشأن المساعدات الاقتصادية.
قال البيض: إذا كان ولابد أن يكون لنا لدينا علاقات مع بريطانيا، فينبغي أن تكون بعيدًا عن هذه الصيغة التي تمنح هؤلاء الضباط سلطة التوجيه للقطاعات العسكرية، مضيفّا: لقد تأكدت من أنهم يمارسون مهامًا تنقص من استقلالنا وسيادتنا. ويقول البيض أنه لم يُبلِّغ سوى عبدالفتاح إسماعيل لكي يضمن إعلان القرار، الذي وافق على إذاعته فورًا ودون مناقشة، وغضب الرئيس، وكان معه حق في غضبه فالقرار فعلًا كان من صلاحيته. كان القرار قد رفع منسوب الخصومة بين الرئيس ووزير دفاعه، الأمر الذي أدى لاحقًا إلى عزله من وزارة الدفاع.
اعتقل في حركة الجيش المضادة لنتائج المؤتمر الرابع للجبهة القومية ذات المضمون الراديكالي، ومعه فتاح ومطيع ومحسن ومقبل والخامري وباذيب وسلطان أحمد عمر والبار وباراس. وغيرهم من قادة الجبهة القومية لا تحضرني أسماءهم الآن. ونجا من الاعتقال سالمين وعنتر، اللذين قادا الرفاق في حركة مايو المشهور، التي استعادت من خلالها القيادة العامة للجبهة القومية زمام المبادرة بعد عودتهم من الجبال، لتنتزع شيئًا فشيئًا القرار الحزبي والوطني من الرئيس. وتقيله في وقت لاحق في ٢٢ يونيو من العام ١٩٦٩، لتبدأ مرحلة جديدة من عمر التجربة بقيادة سالمين، ويعود البيض للواجهة بعد عام من الملاحقة والهجرة.
وحتى عندما أقيل من المكتب السياسي بضعة أشهر، مالبث أن عاد إليه في المؤتمر العام الثالث للحزب اعترافًا بدوره الوطني ومكانته القيادية، وضمن معادلة التوازن بين جناحين من الحزب كانا في حالة صراع وتوتر، كانت عودته مع رفيق دربه عبدالفتاح اسماعيل إلى المكتب السياسي مُنشئِةً لظروف مختلفة في صراع الرفاق، ومغيّرة لطبيعة التحالفات داخل أروقة الحزب. كان صراعًا على السلطة، لم يخلو من تباينات غير جوهرية في نهج الحزب.
وعندما انتهت معركة الرفاق في يناير التي ألحقت ضررًا كبيرًا ببنية الدولة الناشئة، وجيشها الوطني وتماسك ووحدة الحزب القائد أصبح البيض أمينا عامًا له. والرجل الأول في الدولة غير المعلن، فبينما جمع الرؤساء السابقين له بين قيادة الحزب والدولة كان هو قد اكتفى بقيادة الحزب، مدركًا أنها مركز القرار السياسي الوطني، وهذا ما تأكد لاحقًا عندما فرض نفسه ندًا ونظيرًا لعلي عبدالله صالح في مفاوضات الوحدة، ثم مضى منفردًا بقرارها.













