الجمعة 13 فبراير 2026 10:00 صـ 26 شعبان 1447 هـ
المشهد اليمني
رئيس التحرير عبد الرحمن البيل
×

حول مزاعم التنافس والإخضاع: حقيقة الخلاف السعودي – الإماراتي

الجمعة 16 يناير 2026 04:06 مـ 28 رجب 1447 هـ
حول مزاعم التنافس والإخضاع: حقيقة الخلاف السعودي – الإماراتي

في ظل ما يتكرر من أحاديث عن “صراع نفوذ” مزعوم بين السعودية والإمارات، تتكاثر التفسيرات الملفقة التي تغفل السياق الجيوسياسي الأوسع. وراء هذا الضجيج المخاتل للحقيقة حيث تقف حقائق مختلفة تماماً: فالمسألة ليست تنافساً اقتصادياً أو خلافاً على القيادة. بل تباين استراتيجي في الرؤية والموقع والتحالفات، يعكس اختلافاً في فلسفة إدارة المنطقة. لا في من يحكمها.
يُكثر بعض المعلقين من تكرار سردية قديمة تصوّر العلاقات السعودية الإماراتية وكأنها صراع على النفوذ أو محاولة من المملكة لـ “إخضاع” جارتها الأصغر. ورغم أن هذه السردية تبدو سطحية وقديمة ومستهلكة. فإنها تتهاوى سريعاً أمام الحقائق التاريخية والجيوسياسية .

الاقتصاد والقوة المتوازنة

السردية القائلة إن السعودية "تخشى" من الصعود الاقتصادي الإماراتي لا تصمد أمام الأرقام. فالناتج المحلي السعودي يتجاوز تريليون دولار، أي أكثر من ضعف نظيره الإماراتي الذي يقارب نصف تريليون. وتملك المملكة أكبر احتياطيات نفطية في العالم، ونفوذاً حاسماً داخل منظمة “أوبك”، فضلاً عن صندوق الاستثمارات العامة الذي بات أحد أبرز أدوات القوة الاقتصادية السعودية عالمياً. هذه المؤشرات ترسّخ موقع السعودية كقوة رائدة مطمئنة إلى مكانتها، لا قلقة من منافسة أحد.
في المقابل، نجحت الإمارات في بناء نموذج اقتصادي قائم على التجارة والخدمات والسياحة والتكنولوجيا، وهو مسار تكاملي لا يتعارض مع التوجه السعودي نحو التنويع الاقتصادي والطاقة النظيفة والتصنيع والمشاريع الكبرى مثل "نيوم" و"القدية" ومبادرات "السعودية الخضراء". اختلاف المسارات الاقتصادية بين البلدين يعكس تنوعاً في الرؤية لا تنافساً على الزعامة.

القيادة الإقليمية
ومسؤولية الدور السعودي

وصف السعودية بأنها تمارس “هيمنة” إقليمية يتجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا. فالمملكة، بحكم مساحتها الواسعة وموقعها الجيوسياسي بين ثلاث قارات واحتضانها للحرمين الشريفين، شكّلت دائماً محور الثقل في شبه الجزيرة العربية والمبادر الأول لتأسيس مجلس التعاون الخليجي. القيادة السعودية ليست ادعاءً بل استحقاقاً تفرضه حقائق التاريخ والقوة والمكانة والمسؤولية.
وعلى الصعيد العملي لم تقم السياسة السعودية يوماً على منطق الإخضاع أو فرض الإرادة بل على مبدأ الشراكة والتنسيق. فالتعاون بين الرياض وأبوظبي في ملفات أمنية وإقليمية حساسة – من اليمن إلى مواجهة التهديد الإيراني – عكس حتى عام 2020 ( موعد الاتفاق الإبراهيمي ) مستوى متقدماً من الثقة المتبادلة، قبل أن تظهر تباينات الاستراتيجيا نتيجة اختلاف الحسابات والمقاربات.

تباين المقاربات الإقليمية

يتجلّى التباين السياسي بوضوح في ملفي التطبيع واليمن. فالإمارات بادرت إلى تطبيع علاقاتها الكاملة مع إسرائيل، بينما اختارت السعودية ربط أي انفتاح بمسارٍ حقيقي نحو حل القضية الفلسطينية، التزاماً بموقفها المبدئي التاريخي الثابت.
وفي اليمن، انسحبت الإمارات تدريجياً من المشهد العسكري لصالح مكونات محلية تدفع نحو تقسيم البلاد وإضعاف الحكومة الشرعية، متقاطعة مع مخططات إسرائيلية تهدف إلى إنشاء موطئ قدم في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. أما الرياض فظلت ثابتة على موقفها الداعم لوحدة اليمن واستقراره، رافضة تحويله إلى ساحة نفوذ أجنبي أو بوابة لتقويض الأمن الخليجي.

الخلاف الاستراتيجي العميق

الواقع أن جوهر التباين بين الرياض وأبوظبي لا يرتبط بمسائل شكلية تتعلق بالنفوذ أو الزعامة، بل بخلاف أعمق حول طبيعة التحالفات واتجاهها. فبينما تنتهج السعودية سياسة متوازنة تحافظ على استقلال قرارها وتتجنب الارتهان السياسي للقوى الكبرى، تميل أبوظبي إلى بناء شراكات وثيقة مع قوى استعمارية قديمة وأطراف إسرائيلية يمينية متطرفة، في محاولة لزيادة وزنها الإقليمي عبر الارتباط بمشاريع خارجية.
هذا النهج خلق واقعاً إقليمياً معقداً سمح فيه لابوظبي بإحاطة المملكة بسوار من الأزمات. من الخليج وايران واليمن إلى البحر الأحمر مروراً بالقرن الأفريقي ومناطق النفوذ الخليجي الحساسة. وصولا لمحاولة إضعافها وتقويض أمنها. ولقد تجلى ذلك بداية في تفكيك الصومال ثم محاولات تفكيك السودان . واخيراً تقسيم اليمن لدولتين وربما ثلاث وإلحاق مناطقه الساحلية بالمشروع الصهيوني !
هنا تكمن حقيقة الخلاف الجوهري: بين توجه سعودي يصرّ على حماية الواقع العربي من التشظي والقرار العربي من التبعية، ومسار إماراتي يراهن على ائتلافات ظرفية مع قوى أجنبية تسعى لإعادة هندسة المنطقة بما يخدم مصالحها ونفوذها.
إنه ليس صراعاً على القيادة، بل على هوية المنطقة واستقلالها واستقرارها. هلا فهمتم وتركتم تنطعكم السياسي .. ام ترونا ننفخ في الرماد ؟.