الدولة الوظيفية والفوضى المُدارة: تفسير بنيوي للاستراتيجية الإماراتية
حين ننظر إلى المشهد الإقليمي المعاصر نواجه مفارقة ظاهرية تستدعي التفسير: الإمارات الدولة الأكثر استقرارًا داخليًا في المنطقة ، تبدو وكأنها تُصدّر عدم الاستقرار إلى محيطها الإقليمي ، بينما السعودية الدولة ذات المسؤولية الجيوسياسية الأثقل والدولة المركز تسعى بإصرار لتحقيق الاستقرار في جوارها . هذا التناقض الظاهري ليس وليد خيارات سياسية آنية أو تضارب مصالح عابر ، هو في حقيقته انعكاس لتضاد بنيوي عميق في طبيعة الدولتين وفهمهما لشروط بقائهما الاستراتيجي .
لفهم هذه المعادلة، علينا العودة إلى ما يمكن تسميته «بالقوس البريطاني» ذلك النموذج الاستعماري الذي هندس منطقة الإمارات قبل الاتحاد . الخريطة التي تُظهر الإمارات السبع قبل عام 1971 ليست مجرد وثيقة تاريخية ، بل هي مفتاح لفهم البنية السياسية التي لا تزال تؤثر في السلوك الاستراتيجي الإماراتي حتى اليوم . كانت تلك المشيخات السبع المتناثرة ، المتداخلة جغرافيًا ، المتنافسة سياسيًا ، تجسيدًا كاملًا لمنطق الدولة الوظيفية: كيانات صغيرة مُفتّتة عمدًا ، وظيفتها ضبط الممر البحري من خلال ضبط سلوك الانتفاع البحري دون أن تشكّل أي تهديد جيوسياسي ، محكومة بتبعية دائمة للحماية البريطانية كضامن وحيد لاستقرارها .
الهندسة الاستعمارية الواعية تهدف إلى منع ظهور مركز قوة قادر على المساومة أو تشكيل مشروع سياسي مستقل . البريطانيون أرادوا وحدات صغيرة سهلة الضبط، تتنافس داخليًا لمنع التكتل وتعتمد دائمًا على القوة الخارجية لحل التناقضات الداخلية . وحين قام الاتحاد عام 1971 نجح في تشكيل دولة واحدة ، لكنه لم يتحرر تمامًا من البنية التي ورثها: اللامركزية الشديدة والتنافس بين الإمارات الكبرى ، وعقلية الوساطة والالتفاف بدلًا من المواجهة المباشرة ضمن رواسب منهجية المستعمر البريطاني ، فكلها سمات لا تزال حاضرة في النموذج الإماراتي .
الدولة الوظيفية، بطبيعتها البنيوية لا تحتمل الاستقرار العميق في محيطها . هذا ليس اختيارًا أخلاقيًا أو سياسيًا فحسب لكنه ضرورة وجودية . الاستقرار الإقليمي الكامل يُنتج دولًا كبرى قادرة على الفعل المستقل ، مراكز قوة منافسة ، وتقليصًا حادًا في الحاجة إلى “لوجستيات الوساطة” والأدوار الوظيفية التي تشكّل جوهر النموذج الإماراتي . من هنا تنشأ الحاجة إلى ما يمكن تسميته «الفوضى المُدارة»: مستوى من عدم الاستقرار يُبقي الأطراف محتاجة للدور الإماراتي التي تتزعمه ابوظبي ، دون أن يرتفع إلى درجة تهدد الأمن المباشر للإمارات نفسها .
هذه المعادلة تصبح أكثر وضوحًا حين نقارنها بالموقف السعودي . السعودية دولة ذات عمق جغرافي واسع وحدود ممتدة مع العراق واليمن والأردن ، وأي فوضى على هذه الحدود تتحول سريعًا إلى تهديد أمني مباشر . جغرافيتها وما تملكه من أوراق قوة تحكم عليها بأن تكون مركزًا إقليميًا ، وهذا المركز محكوم بمسؤولية جيوسياسية عن استقرار الجوار . السعودية لا تستطيع ببساطة أن تعيش مع فوضى دائمة على حدودها ، لأن تكلفة هذه الفوضى ستدفعها هي مباشرة: لاجئون ، تهديدات أمنية ، تسلل أيديولوجي ، وتآكل تدريجي لقدرتها على التحكم في مجالها الحيوي .
الإمارات، في المقابل تتمتع بميزة جغرافية حاسمة: لا حدود برية لها مع مناطق الصراع الرئيسية. (اليمن، ليبيا، السودان، القرن الأفريقي) كلها مناطق يمكن للإمارات أن تلعب فيها أدوارًا معقدة دون أن تتحمل التكلفة الأمنية المباشرة لفشل هذه الأدوار . جغرافيتها الصغيرة والمحمية بالخليج تسمح لها بممارسة سياسة «اللعب الخفي» في المناطق الرخوة: تمويل مليشيات ، إنشاء قواعد عسكرية ، دعم أطراف انفصالية ، كل ذلك دون أن تواجه خطر ارتداد هذه السياسات عليها مباشرة .
في اليمن، بينما تدعم السعودية الحكومة الشرعية سعيًا لإنهاء الحرب واستعادة دولة موحدة مستقرة على حدودها الجنوبية ، دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي ، وأطالت أمد الصراع عبر تعدد الأطراف وتعقيد المشهد . النتيجة: يمن مُفتت تطمح أن تسيطر فيه الإمارات على موانئ استراتيجية كعدن والمخا وسقطرى ، ما يمنحها نفوذًا دائمًا في منطقة حيوية دون أن تتحمل عبء إعادة بناء دولة يمنية قوية قد تتحدى نفوذها لاحقًا .
في ليبيا، الصورة تتكرر بوضوح صارخ ، محاولة لتوحيد البلاد تحت سلطة مركزية تُنهي الفوضى وتمنع ليبيا من أن تصبح بؤرة تصدير عدم استقرار إقليمي ، استثمرت الإمارات في إطالة الصراع العسكري ومنع قيام حكومة وحدة وطنية فعلية . الهدف لم يكن توحيد ليبيا بل الحفاظ على تفتتها بما يسمح للإمارات بالاحتفاظ بقواعد عسكرية ونفوذ مباشر ، وبدور لا غنى عنه كلاعب يوازن بين الأطراف المتصارعة .
في السودان، تجلى هذا المنطق بأقسى صوره. بينما دعمت السعودية الجيش السوداني بقيادة البرهان سعيًا لإنهاء الحرب الأهلية واستعادة الاستقرار في منطقة البحر الأحمر الحيوية ، دعمت الإمارات قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي ، مما جعلها تتسبب في أطال أمد الصراع ومنع عودة دولة سودانية قوية موحدة . النتيجة: سودان غارق في حرب أهلية ، والإمارات تلعب دور الموازن بين الطرفين ، ما يمنحها موطئ قدم عسكري استراتيجي ونفوذًا في مناطق الذهب بدارفور ، دون أن تتحمل أي مسؤولية عن المأساة الإنسانية الناتجة .
هذا النمط من السلوك إلى جانب كونه سياسة انتهازية هو منطق استراتيجي متسق مع طبيعة الدولة الوظيفية . الفوضى المُدارة هي «سوق العمل» الذي تزدهر فيه الدولة الوظيفية: في الاستقرار الكامل ، لا دور لها ولا نفوذ . في الفوضى المُدارة ، تصبح وسيطًا لا غنى عنه ، ممولًا ضروريًا ، لاعبًا خلفيًا يُحرّك الخيوط دون أن يتحمل مسؤولية النتائج . أما الفوضى الشاملة غير المضبوطة ، فهي خطر أمني مباشر حتى على الإمارات نفسها . من هنا تأتي براعة الاستراتيجية الإماراتية: إبقاء المنطقة في حالة «توتر منخفض الشدة» مستمر ، فوضى كافية لتبرير التدخل واستمرار الدور ، واستقرار كافٍ لمنع الانفجار الذي قد يهدد الإمارات نفسها .
هذه الاستراتيجية تنجح لأن الإمارات تمتلك ميزات بنيوية فريدة . لا تتحمل تكلفة الفشل لأنها لا تملك حدودًا مباشرة مع مناطق الصراع ، ويمكنها الانسحاب من أي لعبة دون أن تواجه كارثة أمنية . تمتلك أدوات اللعب الخفي: شركات أمنية خاصة ، قواعد عسكرية بعيدة ، إعلام موجّه ، وقدرة مالية هائلة على تمويل المليشيات والأطراف غير الرسمية . وأخيرًا لا تحتاج إلى شرعية دولية أو إقليمية لأنها ليست «دولة كبرى» فهي دولة وظيفية لا تحكم نفسها بمسؤولية أخلاقية أو تاريخية .
السعودية، في المقابل محكومة بجغرافيتها: الفوضى على حدودها تعني تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي . محكومة بدورها: مركز إقليمي لا يستطيع التنصل من المسؤولية عن استقرار الجوار . ومحكومة بحجمها: أي فشل استراتيجي كبير يهز مكانتها الإقليمية ويقوّض قدرتها على لعب دور الدولة الكبرى . لذلك، حين تستثمر السعودية في اليمن أو السودان أو أي ملف إقليمي ، فهي تستثمر في بناء دول مستقرة قادرة على التنمية ، لأن هذا الاستقرار شرط لأمنها والمنطقة وليس مجرد خيار سياسي يمكن التراجع عنه .
الفرق بين النموذجين أن الدولة الوظيفية تُصدّر الفوضى لأنها لا تملك مشروعًا بديلًا: لا عمق حضاري ، لا مسؤولية تاريخية ، لا قدرة على بناء نظام إقليمي مستقر . كل ما تملكه هو القدرة على اللعب في الفراغات والاستفادة من الفوضى وتحويل عدم الاستقرار إلى نفوذ . الدولة الكبرى تُصدّر الاستقرار لأنها محكومة بضرورة جيوسياسية: لا تستطيع أن تعيش مع فوضى دائمة على حدودها ولا أن تتنصل من مسؤوليتها عن إدارة المجال الإقليمي ، ولا أن تقبل بظهور مراكز فوضى تهدد مشروعها الاستراتيجي .
من هنا يأتي الاختلاف البنيوي الذي لا يمكن تجسيره . حين تسعى السعودية لإعادة ترتيب المجال الإقليمي وبناء أنظمة مستقرة ، ترى الإمارات في ذلك تهديدًا لنموذجها الوظيفي وتقليصًا لمساحات اللعب المتاحة لها . وحين تسعى الإمارات للحياد المُصطنع والوساطة والتوازن بين الأطراف المتصارعة ، ترى السعودية في ذلك تعطيلًا لضرورة استراتيجية وإطالة مُتعمّدة لصراعات تستنزف الموارد وتهدد الأمن الإقليمي . هذا ليس خلافًا سياسيًا عابرًا يمكن حله بالتفاوض أو تنسيق المواقف ، بل هو تضاد في تعريف الدولة نفسها في فهم شروط البقاء وفي تصور ما يعنيه الاستقرار الاستراتيجي .
الخلاصة: الدولة الوظيفية ترى الاستقرار في تعطيل الجيوبوليتيك والحفاظ على حالة من التوتر المُدار الذي يضمن استمرار الحاجة لأدوارها . الدولة الكبرى ترى الاستقرار في إدارة الجيوبوليتيك وبناء نظام إقليمي قادر على ضبط نفسه دون الحاجة لتدخلات خارجية مستمرة .













