الجمعة 13 فبراير 2026 12:04 مـ 26 شعبان 1447 هـ
المشهد اليمني
رئيس التحرير عبد الرحمن البيل
×

خطاب تصوري للرئيس رشاد موجّه إلى المجلس..

الأحد 11 يناير 2026 07:56 صـ 23 رجب 1447 هـ
د. محمد شداد
د. محمد شداد

تابع الجميع الأحداث الخطيرة الأخيرة التي لم تكن متوقعة ولم تخطر ببال أحد. كنا قد قضينا ليلة كاملة في أجواء أخوية سادها الهدوء والتسامح وإظهار حسن النوايا، لأفاجأ في صباح اليوم التالي بمحاولة كتيبة اقتحام قصر المعاشيق بغية القبض على الرئيس تنفيذًا لأوامر وُجِّهت لهم..
ولولا الوقفة الشجاعة والمخلصة لضباط وأفراد الحراسة السعودية، لكانت الكارثة واقعة لا محالة، في مفارقة عجيبة: وطنيٌّ شقيق يخون، وأخٌ من بعيد يصدق.
لقد أرادوا، قبل تنفيذ الانقلاب على الشرعية والتوجه إلى حضرموت، خنق الدولة الشرعية عبر وضع الرئيس تحت الإقامة الجبرية أو تصفيته جسديًا لإسكات آخر صوت يمثل الدولة الشرعية المتمثل برئيسها، مع ممارسة الضغط على أحد نوابه للقبول بانفصال الجنوب، بهدف توفير غطاء دستوري لجريمة مكتملة الأركان كانت سترتكب بحق الأمة اليمنية.
إخواني،
بعد كل ما حدث، أصبح لدينا مجلس قيادة رئاسي برئيس واحد وأعضاء تشكّل وفقًا لرؤية تهدف إلى تمثيل مختلف الأطراف، والسير نحو توحيد الصف الوطني، وترسيخ دعائم الدولة، وتلبية تطلعات المواطنين، وتوفير الخدمات الأساسية لهم، تمهيدًا لمعركة الحسم وتحرير ما تبقى من اليمن من قبضة الميليشيا الإيرانية الفاشية.
غير أننا فوجئنا بفهمٍ خاطئ للمسؤولية، بل وغير مدرك، لبنود وثيقة نقل السلطة التي صيغت بطريقة قانونية ودستورية واضحة، تمنح المجلس فرصة العمل دون صراعات أو خلافات معطِّلة، وتمنح رئيس المجلس حق اتخاذ القرار، وفي حال عدم توافق الأغلبية يُحسم القرار بالأغلبية، أو بالأقلية التي يكون فيها الرئيس، لأن سيادة الدولة واستقلالها مبدأ لا هوادة أو تسامح مع من يفرط فيها.
والكارثة أن الوثيقة لم تُقرأ ولم تُفهم من قبل البعض، تطبيقًا للمقولة المنسوبة لوزير دفاع الكيان الصهيوني الأسبق موشي ديان: «العرب لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يطبقون». فقد تصرّف بعض الأعضاء وكأن كلٌّ منهم رئيسٌ كامل الصلاحيات، يملك حق اتخاذ القرار والتمثيل الخارجي والمزاحمة على المقاعد، حتى بات المشهد عبثيًا ومسيئًا حرجٌ لنا وللدولة المضيفة.
كان مشهد الاستقبال في بغداد مثالًا محرجًا لنا وللدولة المضيفة، حين حاول منظمو البروتوكول توجيه الأعضاء المرافقين للرئيس إلى صالة منفصلة، إلا أنهم أصروا على السير خلفه مباشرة، بمخالفة صريحة لكل بروتوكولات استقبال الرؤساء في العالم،..وكأنا في سباق على غنيمة نخشى فواتها..
هكذا ترسّخ لدى الناس أن رأس الدولة أصبح مكوّنًا من ثمانية رؤوس لجسدٍ واحد، وهو وضع لا يستقيم، ولا يمكن لأي كيان أو دولة أن تستمر أو تعيش في ظله.
كنا قد عزونا تلك التصرفات في البداية إلى اضطراب المرحلة وعدم استيعاب وثيقة نقل السلطة، لكن اليوم لم يعد هناك أي مبرر لتعطيل القرارات المصيرية المتعلقة ببسط نفوذ الدولة، وترسيخ الأمن، وتمثيل اليمن أمام العالم، وإعادة تشكيل القوات المسلحة المتناثرة ولاءً وتنظيمًا ضمن إطار وزارة الدفاع، والإعداد لمرحلة تحرير اليمن من بقايا انقلاب ميليشيا الحوثي..
علينا جميعًا ألا نسمح بإعادة تدوير قرارات مجلس القيادة الرئاسي خدمةً لمشاريع خارجية، أو لتلميع أشخاص، أو لحماية دولة اتخذت من احتجاز الرهائن اليمن رهينة وسيلة لبسط نفوذها.
إخوتي،
أؤكد لكم أنه لم يعد بمقدور أي طرف، بعد كل الأحداث الدامية والتخريبية الأخيرة، أن يقف حائط صدّ أمام القانون أو أن يعطّل صلاحيات الرئاسة، أو أن يكون غطاءً لحماية مرتكبي الجرائم بحق أبناء اليمن في حضرموت وعدن وسائر المدن، من اغتيالات، وتعذيب، وإخفاء قسري، وانتهاكات لحقوق الإنسان، ونهب للممتلكات العامة والخاصة...
إن أبسط التضحيات المطلوبة في هذه المرحلة هي التنازلات الوظيفية، والانحناء أمام تطلعات الأمة التي منحتنا ثقتها، متى ما كانت تلك التضحيات تصب في خانة حلّ المعضلة اليمنية المعقدة التي قادتنا إليها الصراعات والجيوش المتعددة، وعلى رأسها ميليشيا الحوثي الإرهابية، التي تحولت إلى ألمٍ يعصر الأشقاء، وجرحٍ نازف يسرّ الأعداء.
من اليوم، ستُتخذ القرارات لحسم المعركة النهائية، وضبط الأمن، وتوحيد الجيش، وتعيين القيادات المدنية والدبلوماسية والعسكرية، ولا مجال لتعطيلها من أيٍّ كان. والأهم من ذلك، نزع الوهم القائل إن كل واحدٍ منا رئيس بصلاحيات مطلقة، وأن أي قرار لا بد أن يصدر بإجماع الجميع. فصون هيبة الدولة ومكانتها القانونية أمام العالم أهم من كل الطموحات والأهواء الشخصية.
حتامًا: لقد أسندت الأمة إلينا الأمانة، وعلينا حملها بصدق وحزم، من أدنى موقع في سلم الوظيفة العامة إلى أعلى هرم في السلطة، دون تردد أو تعطيل. فالمرحلة مفصلية، ومحطة تحول تاريخية نحو يمنٍ قادمٍ متصالح، متساوٍ في الحقوق والواجبات..
يكون فيه الدستور هو السيد، والقانون هو الحامي الأوحد، ولا يعلو صوت على صوته، تُفرض من خلاله العدالة التي تنصف المظلوم من الظالم، أيًّا كانت قوته، أو حزبه، أو قداسة جغرافيته، قبيلته، أو عرقه.

موضوعات متعلقة