حرب 94 المحطة التي غيرت علي محسن
حرب صيف 94 بين التزوير والاستثمار (6-8)
مثلت حرب 1994 لحظة فارقة في حياة وشخصية علي محسن الأحمر، وكذلك أفضت إلى بعض معالجات المرض العنصري المناطقي داخل الفرقة الأولى مدرع على وجه التحديد، باعتبار معظم مكونها من العنصر البشري من محافظات عمران وصنعاء وصعدة وذمار، ونسبة لا بأس بها من ريمة، بينما كان التعزيون والتهاميون ومن محافظة إب الأقل عددا.
كانت هناك قيادات عسكرية ميدانية تبث في روع الرجل المرض العنصري المناطقي في صفوف ألوية الفرقة في أن الضباط والعسكر من المناطق الوسطى والجنوبية إنما هم مرضى حزبيون وطابور خامس ولا يؤمن مكرهم ولا وقوفهم مع الشرعية في تلك الحرب، وأنهم سيقفون مع الجنوب والحزب الاشتراكي فيها لاعتبارات متعددة أهمها التقارب الثقافي الحزبي، والمناطقية التي يجد فيها أصحاب المحافظتين تعز وإب على وجه التحديد أنهم أقرب للجنوب والحزب الاشتراكي منه إلى الشمال والشرعية، وأن مرض حرب وجبهات المناطق الوسطى، وقبل ذلك صراع عبدالرقيب عبدالوهاب مع القوى القبلية والشمالية لا تزال معششة في أذهانهم، فقد كان التعامل المناطقي العنصري في تلك المعسكرات يفوق كل وصف. فمما أتذكره جيداً قبل اندلاع تلك الحرب شنت تلك القيادات حملات ملاحقات واعتقالات مختلفة بحق ضباط وصف من أبناء تعز خاصة، وتم التضييق عليهم في أشياء كثيرة، وكنت ممن تعرض لأنواع شتى من المعاناة؛ تلفيق تهم كيدية مختلفة، ومنعي من مواصلة الدراسة الجامعية، واعتقال لشهر كامل داخل زنازين أرضية، وحرمان من الرواتب لثلاثة أشهر، وتجريد من الرتب العسكرية، وصولاً إلى محاولات قتل أكثر من مرة وبوسائل مختلفة تلفق جريمتها للمتظاهرين في شوارع العاصمة عام 1992 في الفترة الانتقالية التي شهدت احتجاجات واسعة على غلاء المعيشة وتدهور العملة التي لم تشهدها اليمن من قبل، ثم تشتيت كامل لأبناء تعز في لواء المدفعية خاصة، وتفريقهم بين المحافظات النائية التي كانت تعتبر منافيَ للعسكر كما في مارب والجوف وسقطرى وغيرها، بتهم التكتل الحزبي الاشتراكي.
بينما زملاء تم اختطافهم من شوارع العاصمة، ومن مساكنهم المدنية إلى وزارة الدفاع، وتم تعذيبهم وانتزاع اعترافات منهم بالقوة بمناصرتهم لمظاهرات وأحداث الفترة الانتقالية عام 1992 التي عمت المدن في صنعاء وتعز وعدن، ومنهم أحد أقربائي الذي تعرض للتعذيب ليخرج مصاباً بالسرطان ويتوفى لاحقاً بعد سنوات. وكذلك افتعال أحداث لأولئك الضباط والعسكر الجنوبيين الذين ذكرناهم آنفاً، ومن ثم تسريحهم من المعسكر وحرمانهم مرتباتهم التي كانت تمثل لهم كل شيء، ولذلك كانت أهم أسباب سخط الجنوبيين على الوحدة والدولة وتمت الاحتجاجات عليها.
أثناء الحرب، وبينما كانت نظرة التخوين من تلك القيادات لأبناء تعز وإب وإصرار تلك القيادات أن يكون الضباط من أمام أو بجانب تلك القيادات في الميدان حتى لا يتعرضون للخيانة والغدر حسب اعتقادهم، وأنهم إنما هم المبنطلون المدنيون المنعمون الذين لا يجيدون الحرب ولا يفقهون في السياسة ولا "يترجولون" في السلم، كانوا لا يأمنون إلا المتزلفين المناطقيين من أبناء مناطقهم ومرافقيهم في السلم المستعرضين معهم في السيارات الفارهة والمتقاسمين معهم المصالح المختلفة، وهناك تتجلى الحقيقة، وتنكشف كل الأوراق، ويحصحص الحق؛ ولم تجد تلك القيادات أولئك المتزلفين المتمصلحين بجوارها، وتخلوا عنها، وما وجدت تلك القيادات إلا من شككوا بهم وخونوهم يقاتلون معهم قتال الشجعان، حتى أن قائد لواء المدفعية ذلك الذي قاد حرباً شعواء عليهم يقع في فخاخ القتل ويرى الموت نصب عينيه ولا يجد من ينقذه من موت محقق إلا هؤلاء.
ذهل الرجل، كما ذهلت القيادات العليا في معسكرات أخرى من معسكرات خالد بن الوليد في تعز، الذي يقوده أحمد فرج وينهزم من المعركة، ولا يثبت إلا أبناء تعز وإب معهم، وكذلك معسكر عبدالله القاضي، ودفع أبناء تعز في تلك المعارك أبهظ الأثمان.
في الحقيقة نظرة العنصريين من نظام صالح ومن المناطق القبلية الشمالية لأبناء تعز والاستهزاء بهم والاستنقاص على أنهم (لغالغة و براغلة) مبنطلون كانت من فترة الثمانينيات وكانوا يعيرون بها في التسعينيات كأنها عيب قبيح، وخاصة في المعسكرات لا في الحياة المدنية عموماً، وكنت ممن تعرض لها أيضاً، فصارت وسماً تسم بها القبائل الشمالية أبناء تعز، وظلت معهم حتى استعملها صالح والحوثيون مجدداً في غزوهم تعز في نهاية مارس 2015؛ في أن هؤلاء المبنطلين سيسوقهم بعصى فقط، ولهذا صور الشاعر فؤاد الحميري –رحمه الله- هذا الأمر في أبيات من الشعر، منها:
ومن ظن أن النصرَ يأتي بِزَنّةٍ أريناه كيف النصرُ يأتي مبنطلا
هنا تغيرت النظرة كلياً عليهم، وإذا بذلك القائد وقادة آخرون الذين حشوا رأس القائد علي محسن بمعلومات مغلوطة عن أبناء تعز، عند احتدام المعارك وحمى الوطيس يرفعون تقاريرهم وبرقياتهم الميدانية بكل ما جرى، ويوصون الرجل بتغيير نظرته تجاههم، وإنما هم كانوا يعيشون في وهم وسراب مع آخرين، ليقتل ذلك القائد (العميد الركن علي عمران) الذي خاض الحرب الشرسة بلواء المدفعية من عمران وحتى بوابة عدن، فكان قد أقسم أن لا يدخل عدن إلا بذلك اللواء، لولا مقتله في بوابة عدن في معركة صبر المكشوفة مع أحد مساعديه بقذيفة دبابة بعد أن كتب تقريره ووصيته لعلي محسن بإنصاف من دسوا التقارير المغلوطة ضدهم (أبناء تعز وإب)، ليعود اللواء المثخن بالجراح إلى منطقة الملاح في الحبيلين!
حتى علي صالح نفسه تعامل بهذا المنطق مع تعز، وقد أشار بذلك صراحة في أول خطاب له بعد إعلان الانتصار، وقال بالحرف الواحد، ولا زلت أذكر ذلك وأنا أتابع خطاباته المختلف بهذه المناسبة، قال: "كانت هناك بعض المحافظات منتظرة أي كفة ترجح؛ فإن رجحت كفة الاشتراكي في إعلان الانفصال فستعلن معهم انفصالها..." وهو يقصد بطبيعة الحال محافظة تعز التي تعامل الجميع معها بعنصرية، بينما في المجالس الخاصة يصرح ولا يلمح، ولذلك ورغم أن تعز تقع في قلب اليمن بين الشمال والجنوب، وهي مدنية بامتياز ولا حاجة لوجود معسكرات فيها، والأصل أن تكون هذه المعسكرات خارجها وفي المحافظات الحدودية المختلفة وبؤر الصراع إلا أن معظم المعسكرات تم الإبقاء عليها عن عمد في محافظة تعز كمعسكر خالد بن الوليد، ومعسكر عبدالله القاضي، ومعسكر الدفاع الجوي، ومعسكرات أخرى كثيرة كالأمن العام والأمن المركزي والشرطة العسكرية وشرطة النجدة!
أثناء وبعد تلك الحرب أزعم أن علي محسن تغير كلياً، وقضى على العنصرية داخل الفرقة، وحظي ضباط وأفراد تعز وإب بحظوة كاملة لديه، أو على الأقل زالت النظرة العنصرية المناطقية تجاههم، وهنا أصبح بعض قادة الألوية من تعز والجنوب بعد أن كان مستحيلاً عليهم أن يكونوا حتى مساعدين لقادة ألوية، كما اتخذ مرافقين شخصيين وفي مكتبه الخاص من تعز وإب من شرعب ومخلاف وتهامة وغيرها.
بعدها أصبح مدير مكتبه "سامعي"، وقائد لواء الدفاع الجوي لديه هو صادق سرحان شرعبي، وقام باستقطاب كل القادة الجنوبيين الأكفاء الذين تم تسريحهم بعد تلك الحرب كجواس، وسيف الضالعي، وأحمد سيف اليافعي، والماربي المحكوم بالإعدام من قبل صالح عبدالرب الشدادي، وغيرهم كثير.
هذا التقارب والاستقطاب لضباط وقادة جنوبيين مسرحين وتعزيين أيضاً مسرحين كانت واحدة من أهم الأسباب للشقاق بين صالح ومحسن؛ فقد رأى أنه بذلك إنما يبني قوته الخاصة، ويقرب من أبعدهم صالح عناداً، وهنا سارع علي صالح لبناء الحرس الجمهوري بناءً نوعياً على حساب الفرقة التي جردها من أهم الأسلحة وأهم الضباط الأكفاء من بقية المناطق الشمالية وخاصة من سنحان وخولان وذمار!
في تلك الحرب كانت هناك كتيبة خاصة تتبع الفرقة الأولى مدرع من الكتائب الشجاعة كان مساعدها المدرب محمد السلا من أبناء ريمة، تعرضت للغدر وقتل كثير من أفرادها غيلة برصاص من الخلف وخاصة قفى الرأس أثناء الحرب، كما أخبرني بعض الزملاء حينها؛ فقد كنت معتزلاً الحرب لقناعتي حينها أنها صراع سياسي بين طامِحَين وطامِعَين اختلفا على الكعكة والصدارة، وعلى رأس ذلك الغدر بمساعد الكتيبة محمد السلا.
كل هذه الخلفية ممكن أن يتفهمها القراء لماذا تم الزج بالفرقة الأولى مدرع لمعارك لا تنتهي في صعدة مع الحوثيين الذين كان يدعمهم صالح من تحت الطاولة لاستدراج علي محسن إلى مستنقعها وإزاحته من طريق التوريث.
في المقابل كان الجنوبيون وإعلام الاشتراكي والناصري لا يرى كل تلك الحرب إلا من زاوية علي محسن فقط؛ فقد تعرض لحرب شعواء وحملات مستميتة وتشويه أضعافاً مضاعفة ما تعرض له علي صالح وهو الرجل الأول في الدولة، حتى أن علي سالم البيض ذات مرة لم يقل إلا أنها كانت حرب علي محسن، ولذلك تم الحقد عليه أكثر من الرئيس صالح ومن بقية القادة، وإلى اليوم.
.... يتبع













