حرب صيف 94 بين التزوير والاستثمار (4-8)
معارك 94 وكواليسها وتأسيس أساليب داعش
بينما كان صالح يستقطب قوات علي ناصر الجنوبية، ويكن لها في المعسكرات، ويمنحها امتيازات مالية وعسكرية، كان الاشتراكي يعتمد على عناصره المسلحة في الشمال (اشتراكيي الشمال) الذين خاضوا الصراع في الجبهات الوسطى نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، حتى أن كثيراً منهم وجدناه في تلك المعركة، وكان كثير منهم صرحاء في القول صادقين في المناصرة والفعل ولا يخفون تلك التوجهات والأفعال.
في الحقيقة إن أصحاب الفضل الأول في تغيير معادلة حرب 1994 هم أنصار الرئيس الأسبق علي ناصر محمد الذين واجهوا إخوانهم الجنوبيين بسبب معرفتهم التامة بتضاريس ومداخل وطبوغرافيا المناطق الجنوبية، وكذلك معرفتهم بالتسليح والتدريب واستقطاب المقاتلين، وتوقهم للثأر التاريخي والعودة إلى بلادهم، بينما كان الشماليون أقل تسليحاً وأقل خبرة قتالية وأقل مهنية وانضباطاً عسكرياً.
لم تكن الحرب بين شطرين شمالي وجنوبي، ولا بين الشعبين في الشمال والجنوب؛ بل كانت بين الحزبين الحاكمين في الشمال؛ المؤتمر الشعبي العام والجنوب الحزب الاشتراكي اليمني؛ فقد كان الشعب اليمني حينها في الشمال والجنوب يكره الحرب والاقتتال ويقف ضدها، وكان الحزبان يتسابقان على كسب الود الشعبي، والحقيقة كنت أرى أن شعبية البيض شمالاً أكثر منها جنوباً.
هناك عامل مهم جداً من عوامل انتصار طرف الشرعية، كما كان يسمى حينها، في تلك الحرب وهي السياسة والمكيدة من قبل صالح، وشرائه القيادات العسكرية الجنوبية، وإغداقه عليهم بالسيارات الفارهة الحديثة التي كان لا يعرفها الجنوبيون نظراً للفارق المعيشي المهول الذي كان يعيشه الجنوبيون مقارنة بالشماليين كناحية اقتصادية عامة، بسبب اختلاف النظامين الاقتصاديين، وكان من أهم ما اشتهر في شراء المعسكرات معسكر لبوزة بين العند وكرش، وأهم من ذلك أن كثيراً من العسكريين الجنوبيين سئموا وملوا الصراعات والحروب وأرادوا الاستقرار؛ فقد كانت جرعات الانقلابات والصراعات البينية الجنوبية لا تنتهي إلا لتبدأ مجدداً، مما لم يحقق الاستقرار في الجنوب، كما هو الحال في الشمال أيضاً، ولم يريدوا الإثخان في إخوانهم الشماليين بحسب شاهد عيان منهم كان يتحدث إلينا ونحن نستقل طقماً عسكرياً اليوم التالي لدخول عدن وإعلان انتصار الشرعية متجهين من عدن إلى تعز صادفته في نفس الطقم معي.
كان هذا الضابط طياراً في سلاح الجو الجنوبي، وذكر قصة من قصصه في إفراغ حمولته من السلاح في ثغور جبل صبر.
كان مكلفاً بقصف معسكر الدفاع الجوي ومعسكر الإذاعة في تعز، فقال لنا: كنت أرى "الزمزمية" في ظهر العسكري، وكنت مستعداً أن أقصفه، ولكن نظرت إلى دوافع الحرب وأخوة الدم والوطن وتراجعت في اللحظات الأخيرة، وكنت مضطراً أن أفرغ حمولة الطائرة من السلاح ولو عدت بها سأتعرض للتصفية الجسدية لخيانة الأوامر، فاضطررت أن أقصف في فراغ في جبل صبر، وسأل سؤالاً: هل تذكرون القصف في الجبل بعيداً عن الأهداف لماذا كان هناك؟!
وفعلاً كنا نتحدث عن تلك الضربة التي قلنا خاطئة، وقلنا حينها إن الطيارين الجنوبيين غير مهنيين ولا دقيقين بسبب تلك الضربة وغيرها، قبل أن يستدرك: لا تصدقوا أن هناك ضرباتٍ خاطئة، فعدسات الكاميرا تصور لنا كل شيء وكل هدف بدقة!
كان قادة عسكر الاشتراكي حازمين في التعامل وصارمين في التنفيذ، وكم سمعنا من قصص يومها بتصفية بعض الضباط الذين رفضوا تنفيذ الأوامر واكتشاف بعض ضباط صواريخ "اسكود" التي كانت القوة الضاربة للاشتراكي والتي يهدد بها البيض خصومه في صنعاء، كانوا ينزعون منها صواعق تفجير الرؤوس، أو التلاعب بإحداثياتها، ولم ينفجر بعضها كالذي حط في مزرعة زهرة مكان جامع الصالح اليوم في السبعين وغيره!
كما لا نغفل أهم الدوافع والأسباب في تلك المعركة التي عجلت بحسم المعركة من الجانب الشمالي، وهي أنه بينما كانت المعارك في أشدها أعلن علي سالم البيض الانفصال وعودة جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، وهذا الإعلان كان بمثابة الروح التي نفخت الحياة والحماس في جسد كل عسكري؛ فهنا اتضحت الراية والرؤية لكل متردد ولكل من كان في قلبه ذرة من شك بهذه الحرب، حتى الذين عادوا إلى بيوتهم معتزلين تلك المعركة التحقوا بمعسكراتهم فور إعلان البيض خطاب الانفصال. وفي نفس الوقت فتت في عضد قوات الاشتراكي ومناصريهم في الشمال؛ إذ إنه فور الإعلان تسارعت وتيرة المعارك والتقدمات الشمالية كما تسير النار في الهشيم، وكان التراجع الجنوبي واضحاً بشدة، وأعلن حسم المعركة لصالح (الشرعية) حينها، وانقلب المزاج الشعبي الشمالي الذي كان مؤيداً للبيض إلى نقمة وسخط عليه، والتف خلف الشرعية في الشمال بسبب ذلك الإعلان.
أحياناً لا يدرك السياسيون كيف تكون بعض خطاباتهم وقراراتهم مدمرة للجيوش ولمشاريعها ولحماسها وتكون سبباً للانتكاسات المختلفة التي تعجل بالهزيمة ودمار الأوطان والشعوب، في حين تكون هناك بعض الخطابات ملهمة للجيوش تبحث الروح فيها وتجعلها تركب الخطوب والأهوال للتعجيل بالنصر وتحقيق المشاريع المختلفة.
هناك سبب أخلاقي كبير لانتصار الشرعية في تلك الحرب وخذلان الاشتراكي والانفصاليين فيها؛ فأزعم أن هذه الحرب خيضت من الشرعية بكثير من الأخلاق لولا ما شابها وما صاحبها من عمليات النهب لدى كثير من المرضى قيادات عسكرية وقبلية التي ألفت الفود والغنيمة على حساب كل المبادئ والقيم، واتخاذ وسيلة الفيد والغنيمة كما هو حال القبائل الشمالية في كل حرب وزمن وغزو، ومع ذلك كان هناك كثير من الأخلاق؛ فلم يُقتل جريح، ولم يُصفَّ أسير، ولم يتم الغدر بأحد، ولم يُقصف بيت لمواطن، ولم يتم التشريد لمواطنين مسالمين كما في بقية الحروب وخاصة حروب اليوم مع الإرهاب الحوثي. بل كان العفو العام عقب كل معركة، وعقب كل سقوط معسكر، مما عكس انطباعاً إيجابياً حينها عند الجنوبيين.
هذا الجانب افتقره الطرف الآخر حينها، فقصف المدن بأحدث الصواريخ حينها وهي صواريخ اسكود التي لا يمتلكها الشمال؛ وجهت للمستشفى الجمهوري بصنعاء وبعض المناطق الآهلة بالسكان وخاصة منطقة قاع العلفي المكتظ بالمساكن والسكان.
أما في الجبهات فقد كان يصفى بعض الأسرى الشماليين، ولا أنسى ولن أنسى تفاصيل لقصة مؤلمة لقائد سرية الاستطلاع الملازم مجاهد الجبر حينما وقع أسيراً في منطقة الحبيلين بالضالع بيد قوات الاشتراكي تم رشه بالبنزين وغرغرته بالبنزين وقاموا بإحراقه حياً على الفور، وقبره هناك في منطقة الحبيلين في حبيل جبر على جانب الطريق يشاهده كل مسافر بين الضالع وصنعاء!
لم تكن هذه حادثة فردية ولا قصة أسطورية، ولا رواية متناقلة أو مؤلفة؛ فقد كان هذا الضابط الشاب حينها قائدي في سرية الاستطلاع في لواء المدفعية، وابنه اليوم زميل لنا في وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، والقصة عرفها القاصي والداني في أنحاء اليمن حينها.
بل إن هناك قصة أشد إيلاماً منها وإن كانت مشابهة لها، إلا أن ألمها هو أن صاحبها كان يتم التضييق عليه من قبل قيادة اللواء في صنعاء ومتهم بولائه للحزب الاشتراكي، صحيح أن ميوله كانت اشتراكية ومغرم بها وبالجنوبيين باعتباره من المنطقة الوسطى التي شهدت جبهات مختلفة للاشتراكي ضد صنعاء، لكن عند الحرب واتضاح الراية ونية وخطاب الانفصال لعلي سالم البيض دفع الجميع للالتحاق بالجبهات للقتال والحفاظ على الوحدة.
هذا الضابط اسمه عبدالواحد العاطفي من منطقة القفر في إب، وكان مهمشاً طيلة عسكريته وإن كان برتبة رائد دون تسليم أي عمل له، بينما ضباط برتب ملازم أول أو نقيب يتولون قيادة عمل إما قادة كتائب أو سرايا، وكنا أصدقاء نسكن سوياً في غرفة واحدة في صنعاء.
في تلك الحرب ذهب ذلك الضابط للاستطلاع في بعض المواقع، ووقع أسيراً كما وقع من قبل الملازم مجاهد الجبر، وعلى الرغم من إيضاحه لهم أنه متعاطف معهم وأنه اشتراكي مثلهم إلا أنهم رفضوا تأمينه وقاموا بصب البنزين عليه وإشعال جسده بالنار وهو حي، وكانت نهايته مأساوية وغبن على غبن؛ أن يؤتى من قبل من يواليهم ولا يؤمنوه؛ فهم لم يصدقوه على كل حال، وكان الانتقام والتنكيل سيد الموقف!
في هذه الحرب لمع نجم القائد فيصل رجب ميدانياً، وبطولاته كانت حديث كل عسكري حينها.
أما أخطاء قوات الشرعية لبعض قادتها ولا تعمم على الجميع؛ فقد كانت هناك نماذج متعددة، فهي العنصرية لدى بعض مكونات الجيش. ففي تلك الحرب كان هناك قادة عنصريون شماليون يعاملون أبناء تعز وإب والجنوبيين بكثير من الريبة والشك القاتل الدائم، والنظر إليهم على أنهم عملاء أنهم واقفون إلى جانب الحزب الاشتراكي اليمني وإلى جانب عدن في تلك الحرب، فكان بعض القادة لا يتحرك في البر إلا والضباط من تعز على يمينه وعلى شماله ومن أمامه، وحينما تم سؤاله عن ذلك قال: لا نأمنكم أصحاب تعز، أنتم مع الاشتراكي وقد تغدرون بنا، وسنتحدث عن تفاصيل هذه الجزئية في حلقة تالية وخاصة!
في الانتخابات النيابية التي جرت في أبريل 1993 صحيح أن صالح استخدم المعسكرات للتصويت، وكذا المال العام، والمناصب والهبات والأعطيات، وكذلك فعل الاشتراكي في الجنوب مع الفارق الهائل في التعداد السكاني بين شريكي الوحدة الذي لعب دوراً كبيراً غي حسم الانتخابات لصالح المؤتمر والإصلاح ضد الاشتراكي، إلا أن كثيراً من الزملاء العسكريين عناداً بتلك الحملات العنصرية والتوجسات والريبة، نسقوا في تلك الانتخابات لمرشحي الاشتراكي رغم ما لاقوه من تهديد وتعنت من قبل بعض القيادات العسكرية؛ لكن تلك الأصوات كانت تغرق وسط بحر كامل من التعداد السكاني الضخم في الشمال، وما عسى أن تكون الأصوات الجنوبية مقابل كل ذلك، وهنا انكشف الغطاء عن الاشتراكي!
المسألة وما فيها أن البيض والاشتراكي خسروا الانتخابات والمعركة لا أكثر وإلا كانوا هم أحد أهم أسبابها ومشعليها، وكانوا سينكلون بالشمال بحسب ما كانت تصلنا من روايات وتحديات بعض عناصرهم؛ فقد مارسوا جرائم حرب في تلك الحرب فاقت جرائم داعش، وهم من أسس الحرق أحياء بصب البنزين على العسكر وحرقهم أحياءً، وكان تفكيرهم وغرورهم حينها أنهم سيكسبون الحرب ويكنسون علي صالح إلى غير رجعة بسبب ركونهم إلى قوتهم العسكرية وسلاحهم الأكثر والأحدث، فكانت المفاجأة بالهزيمة.
هناك سبب آخر داخلي داخل الحزب الاشتراكي ويكرره إلى اليوم ولا يتم الاتعاظ من الأحداث والتاريخ؛ وهو التعامل بالتنظير والقواعد والأعراف الحزبية التي لُقِّنُوها بعيداً عن التعامل الواقعي مع الأحداث؛ فبينما يعتمدون على الضجيج الإعلامي والبروبجاندا الإعلامية والنظريات يتناسون الواقعية التي تعامل بها صالح وحلفاؤه في ذلك الصراع؛ فيختلقون عدواً وهمياً ليتخذوه ذريعة ودافعاً ينفذون من خلاله ويتركون الحسابات الواقعية وظروف اللحظة ومتغيراتها، أو يوجدون شماعة يعلقون عليها فشلهم، ولذلك ينصدمون بالواقع فيخسرون!
..... يتبع













