الجمعة 13 فبراير 2026 07:07 صـ 26 شعبان 1447 هـ
المشهد اليمني
رئيس التحرير عبد الرحمن البيل
×

أقسام الشرطة النموذجية في عدن: مقاربة حقوقية قائمة على المعايير الدولية وبناء الثقة

السبت 31 يناير 2026 10:45 صـ 13 شعبان 1447 هـ
أقسام الشرطة النموذجية في عدن: مقاربة حقوقية قائمة على المعايير الدولية وبناء الثقة

تعاني مدينة عدن من فجوة متراكمة في الثقة بين المواطنين والمؤسسات الأمنية، وهي فجوة تشكّلت نتيجة سنوات من الانتهاكات التي طالت المدنيين وأضعفت الإحساس بالأمان، وقلّصت من ثقة المجتمع بدور أجهزة إنفاذ القانون. وقد أثبتت التجارب أن معالجة هذه الفجوة لا يمكن أن تتم عبر حلول أمنية تقليدية، بل من خلال إصلاح مؤسسي يضع حقوق الإنسان في صميم العمل الشرطي. إن الأمن المستدام لا ينفصل عن احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التفكير في إنشاء أقسام شرطة نموذجية في عدن، تقوم على مقاربة حقوقية واضحة، وتعمل وفق المعايير الدولية المعتمدة في إنفاذ القانون، بما يضمن حماية المدنيين ويعيد تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية.
تعتمد هذه المقاربة على تحويل أقسام الشرطة إلى مؤسسات خدمية، تحترم الكرامة الإنسانية، وتلتزم بالإجراءات القانونية في التوقيف والتحقيق والاحتجاز، وتمنع أي شكل من أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية. ويُعد بناء قدرات الكادر الأمني عنصرًا محوريًا في هذا السياق، إذ لا يمكن تحقيق إصلاح حقيقي دون استثمار جاد في التدريب والتأهيل. وفي هذا الإطار، يمكن الاستفادة من تجارب وأدوات تدريبية قائمة، من بينها الدليل التدريبي لحقوق الإنسان للعاملين في الشرطة، الذي أنتجه مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان، بدعم من شركاء دوليين، من ضمنهم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والسفارة البريطانية في اليمن.

ويُعد هذا الدليل نموذجًا عمليًا لكيفية دمج مبادئ حقوق الإنسان في العمل الشرطي اليومي، من خلال ربط المفاهيم النظرية بالتطبيقات الميدانية. كما يُقترح أن يتم تدريب ضباط وأفراد أقسام الشرطة النموذجية على يد منظمات حقوقية دولية متخصصة، وبالتعاون مع جهات وطنية مستقلة، بما يضمن مواءمة الأداء الأمني مع المعايير الدولية، خصوصًا فيما يتعلق باستخدام القوة، وضمانات الاحتجاز، وحقوق الموقوفين، وآليات المساءلة. هذا النوع من التدريب يسهم في نقل الخبرات الدولية، ويعزز المهنية، ويحدّ من الممارسات التي تقود إلى الانتهاكات. ولا يقل أهمية عن التدريب وجود آليات فعّالة للمساءلة والرقابة. فإعادة بناء الثقة تتطلب نظمًا شفافة لتلقي شكاوى المواطنين والتحقيق فيها بشكل مستقل، إضافة إلى تمكين منظمات المجتمع المدني من أداء دورها في الرصد والمتابعة. فغياب المساءلة لا يكرّس فقط ثقافة الإفلات من العقاب، بل يقوّض أي محاولة لإصلاح قطاع الأمن. كما أن تبنّي مفهوم الشرطة المجتمعية يشكّل عنصرًا أساسيًا في هذه المقاربة، من خلال تعزيز التواصل مع المجتمع المحلي، والاستماع لمخاوف المواطنين، وبناء شراكات قائمة على الاحترام المتبادل. فالأمن الذي يُبنى مع المجتمع يكون أكثر استدامة من الأمن المفروض بالقوة. إن إنشاء أقسام شرطة نموذجية في عدن، تستند إلى مقاربة حقوقية، وتستفيد من الأدلة التدريبية القائمة، وتُنفّذ بالشراكة مع منظمات حقوقية دولية وبدعم من المانحين، يمكن أن يشكّل خطوة عملية نحو إصلاح مؤسسي حقيقي، يعيد الاعتبار لحق المواطنين في الأمن والحماية، ويعزز سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

موضوعات متعلقة