الجمعة 13 فبراير 2026 06:50 صـ 26 شعبان 1447 هـ
المشهد اليمني
رئيس التحرير عبد الرحمن البيل
×

اليمن أزمة نخب لا أزمة حلول.

الخميس 5 فبراير 2026 08:30 صـ 18 شعبان 1447 هـ
عبداالجبار سلمان
عبداالجبار سلمان

ليست مأساة اليمن، كما يحلو للبعض أن يختصرها، في غياب الحلول أو ندرة الرؤى أو فقر الأفكار السياسية. فاليمن، عبر تاريخه الحديث والمعاصر، لم يكن يومًا بلدًا عقيمًا عن إنتاج المبادرات أو التصورات أو المشاريع الوطنية. بل إن جوهر الأزمة، وربما أخطر تجلياتها، يكمن في فائض النخب لا في ندرتها؛ نخب صنعتها الصدف والظروف الاستثنائية، لا الكفاءة ولا الاستحقاق، فكبرت خارج منطق الدولة، وتضخمت خارج فكرة الوطن. هذه النخب، التي تصدرت المشهد بفعل الحروب والانقلابات والتدخلات والتسويات الهشة، لا تنظر إلى اليمن باعتباره وطنًا جامعًا، ولا ترى في الدولة سوى غنيمة مؤجلة، وفي السياسة مجرد وسيلة لتقاسم النفوذ والثروة. ومع كل استحقاق سياسي، ومع كل حديث عن تسوية أو سلام أو مرحلة انتقالية، تخرج هذه النخب من جحورها لا لتبحث عن مخارج وطنية تنقذ بلدًا مثخنًا بالجراح، بل لتعيد ترتيب حصصها، وتطالب بنصيبها من الكعكة قبل أن تُخبز أصلًا، وقبل أن يُسأل الناس عمّا يريدونه لوطنهم ومستقبل أبنائهم. لقد تحوّل اليمن، في وعي هذه النخب، من قضية شعب يعاني، إلى ملف تفاوض وابتزاز سياسي. ملف يُدار على طاولات مغلقة، وتُقايَض فيه الدماء بالمناصب، والمعاناة بالمكاسب، والسيادة بالولاءات. لا مكان فيه لصوت المواطن، ولا وزن فيه لكرامة الإنسان، ولا اعتبار فيه لأولويات الناس الذين طحنهم الفقر والحرب والتشظي. كل شيء قابل للمساومة، إلا الوطن ذاته؛ فهو خارج الحسابات، أو في أحسن الأحوال مجرد شعار يُرفع عند الحاجة. في هذا السياق، لا تعود السياسة فن إدارة الشأن العام، ولا تصبح الدولة إطارًا ناظمًا للمصالح العامة، بل تتحول إلى ساحة صراع بين شبكات مصالح، ومنصة محاصصة، وآلية لإعادة إنتاج الفشل نفسه بوجوه جديدة. تُقسّم المناصب كما تُقسّم الغنائم، وتُوزّع السلطات كما تُوزّع الغلال، ويُكافأ الولاء لا الكفاءة، والانتماء الضيق لا المشروع الوطني. وهكذا يُدار اليمن، للأسف، بمنطق الضباع لا بمنطق الدول؛ بمنطق الافتراس لا بمنطق الحوكمة؛ بمنطق النجاة الفردية لا بمنطق المسؤولية الجماعية. منطق يرى في الدولة جسدًا ميتًا يمكن اقتسامه، لا كيانًا حيًا يجب إنقاذه. ومنطق لا يفهم من السلطة سوى كونها وسيلة للهيمنة، لا أداة للخدمة العامة وبناء المؤسسات. إن الفجوة العميقة اليوم ليست فقط بين السلطة والمجتمع، بل بين منطقين متناقضين منطق الدولة ومنطق الغنيمة. بين مشروع وطن يسعى إلى عقد اجتماعي جديد، قائم على المواطنة والعدالة والشراكة، وبين مشروع محاصصة لا يرى في اليمن سوى جغرافيا قابلة للتقاسم، وسكانًا قابلين للتهميش. وبين هذين المشروعين، يدفع اليمن شماله وجنوبه الثمن كاملًا تفككًا، فقرًا، عزلة، وانسدادًا في الأفق. ولذلك نقولها بوضوح، بعيدًا عن المجاملات السياسية واللغة الدبلوماسية المفرغة ما لم يُحسم هذا الصراع لصالح منطق الدولة، وما لم تُستعاد فكرة الوطن من أيدي تجار السياسة، فإن أي تسوية لن تكون سوى هدنة مؤقتة، وأي سلام لن يكون إلا استراحة محارب، وأي مرحلة قادمة ستعيد إنتاج المأساة بأشكال أخرى. اليمن لا يحتاج مزيدًا من النخب، بل يحتاج نخبًا مختلفة؛ نخبًا ترى في الوطن مسؤولية لا غنيمة، وفي السياسة خدمة لا صفقة، وفي الدولة مشروعًا أخلاقيًا قبل أن يكون كيانًا إداريًا. وحتى يتحقق ذلك، سيظل اليمن الخاسر الأكبر في لعبة المصالح، ما دام منطق الغنيمة هو الحاكم، ومشروع الوطن هو المؤجل دائمًا.