المشهد اليمني

ذئاب؟!

الخميس 5 فبراير 2026 12:30 مـ 18 شعبان 1447 هـ
ذئاب؟!

بعد أكثر من عشر سنوات من الحرب، لم يعد في اليمن نقصٌ في المشاريع السياسية، بل فائضٌ فيها. كل طرف يملك تصورًا جاهزًا، وكل بندقية تحمل برنامجًا سياسيًا مختصرًا. وحدها الدولة لم يكن لها بديل، لأنها ببساطة لم تكن موجودة بما يكفي لتُستبدل.

الحرب، حتى الآن، لم تحسم شيئًا. جُرِّب السلاح بدل السياسة، والواقع بدل القانون، والمليشيا بدل المؤسسة. تفككت الدولة، بينما تكاثرت «الحلول». وكل حلٍّ مؤقت صار دائمًا، لأن أحدًا لم يسأل عمّا بعده.

السؤال اليوم ليس كبيرًا ولا فلسفيًا. هو بسيط ومحرِج: ماذا نريد من الدولة؟ لا شكلها، ولا اسمها، ولا عدد أقاليمها. نريد وظيفة واحدة فقط: أن تحمي الطريق. السياسة التي تعجز عن ذلك ليست سياسة، بل إدارة للفوضى.

وحدة اليمن عام 1990 كانت محاولة نجاة لدولتين مُنهكتين، لكنها كانت بحاجة لدولة تديرها لا مجرد شعارات. فشلت الوحدة لأنها عوملت كمكسب بعد حسم الخلاف بالسلاح عام 1994، فضاعت الدولة بين من رآها مكسبًا ومن اعتبرها عدوًا.

قبل مؤتمر الحوار الوطني، لم يكن الحوثيون لغزًا ولا مشروع دولة. كانوا حركة احتجاج مسلحة في أطراف مهمّشة، تستفيد من ضعف الدولة أكثر مما تصنع قوتها بنفسها. ظاهرة محدودة، قابلة للاحتواء السياسي، لو وُجدت دولة تُدير الأطراف بدل أن تتركها.

وبالمثل، لم تكن القضية الجنوبية قبل الحوار شعارًا انفصاليًا، بل مظلومية سياسية واقتصادية حقيقية، وسؤال شراكة وعدالة بعد 1994. مطالب قابلة للحل، لو عولجت بوصفها قضية حقوق لا ملفًا أمنيًا، وبمنطق السياسة لا بمنطق الغلبة.

في عام 2014، ظهر الحل على الورق: دولة اتحادية، شراكة في السلطة، توزيع للصلاحيات، وعدالة في الموارد. مشروع أقل شاعرية من الشعارات، وأكثر واقعية من الحرب. وافق الجميع.. بشرط واحد: أن يكون هو المركز. فبقي الاتفاق وحيدًا، وسقط بهدوء، كما تسقط الحلول التي لا تجد من يحرسها.

بعد الحوار، لم يعد الحوثي حركة احتجاج، بل مشروع سيطرة. لا لأن الحوار كان خاطئًا، بل لأن الحل المتوافق عليه تُرك بلا حماية. وحين تُترك السياسة بلا دولة، يتقدم السلاح ليملأ الفراغ. هكذا تتحول الهامشية إلى مركز، لا بالقوة وحدها، بل بغياب الحارس.

وبعد الحوار أيضًا، ومع غياب التنفيذ، تراجعت السياسة في الجنوب وتقدّم السلاح. لم تُرفض الحلول لأنها خاطئة، بل لأنها تُركت بلا دولة تحميها. وحين تغيب الدولة، تُختطف القضايا العادلة أسرع مما تُحل. المشكلة لم تكن في غياب ممثل جامع، بل في دولة انتظرت الإجماع كي تعمل، فتعطلت.

جاءت الحرب لتؤكد كل شيء. أكثر من عشر سنوات من «البدائل»: بديل للوحدة، وبديل للدولة، وبديل للمركز. لكن البديل الوحيد الذي تحقق فعليًا كان غياب الدولة. وكل ذئب أعلن نفسه حارسًا، وكل طريق صار اختبارًا.

حضرموت، ومعها شرق اليمن، لم تدخل هذا الصخب. لا انفصال، ولا مركزية متحمسة، بل انتظار طويل لدولة تقوم بوظيفتها. أرض تعلّمت السياسة من التجارة، لا من الشعارات؛ بنت الكثير بالقليل، بلا جيوش، وبلا ضجيج.

وتعز، مثل حضرموت، لم تطلب مشروعًا خاصًا، لكنها دفعت ثمن غياب الدولة مضاعفًا. مدينة واجهت الحوثي مبكرًا، بلا عمق قبلي ولا حماية مركزية. تمسكت بالدولة، فلم تجدها، ورفضت المليشيا، فحوصرت. لا هي مركز استفاد، ولا إقليم احتواها، ولا سلاح مثّلها. في تعز، يتضح المعنى الأوضح للدولة الغائبة: أن تدفع ثمنها حين تؤمن بها.

قديمًا، لم تُقَس الدولة بدستورها ولا بعلمها، بل بقدرتها على حماية الطريق. أن يسير الناس آمنين.. هذا كل شيء. وما عداه تفاصيل.

اليوم، بعد سنوات طويلة من حربٍ لم تُحسم، وستةٍ وثلاثين عامًا من الوحدة، لم يعد السؤال: وحدة أم انفصال، ولا مركز أم أقاليم. السؤال الوحيد الباقي، من صنعاء إلى حضرموت:
هل نريد دولة تحمي الطريق، أم نتركه للذئاب؟