المشهد اليمني

من ينقذ دبي وسمعتها من الحرس الثوري الذي شاركت في تسمينه؟!

الثلاثاء 3 فبراير 2026 02:52 مـ 16 شعبان 1447 هـ
سليمان العقيلي
سليمان العقيلي

التهديد الذي صدر عن التلفزيون الإيراني الرسمي ( وهو تحت اشراف المرشد الأعلى) ليس كلامًا فارغًا. فحين يحدد متحدث إيراني أهدافه بدقة : مطار دبي الدولي، ومركز دبي المالي العالمي، ومدينة دبي للإنترنت، وجبل علي. فهو لا يخترع قوائم من الهواء. هذه التفاصيل تعكس فهمًا عميقًا لبنية دبي الاقتصادية. فهم لا يأتي من الخارج وحده. بل من داخل المنظومة المالية التي غسل الإيرانيون أموالهم فيها لعقود.
حين فرضت الولايات المتحدة عقوباتها الصارمة على إيران، لم تنهار شبكات التبادل التجاري الإيراني بل انتقلت ببساطة إلى دبي (المنقذة). المراكز التجارية الحرة استقطبت آلاف التجار الإيرانيين، والشركات التي تعمل وسيطًا في نقل البضائع والخدمات المالية كان كثير منها مرتبطًا بأطراف إيرانية مباشرة أو غير مباشرة. حجم التجارة الثنائية كان يتجاوز عشرات المليارات من الدولارات في سنوات معينة. والأهم: الحرس الثوري نفسه وجد طرقًا متعددة لتحويل أصوله عبر شبكات وسيطة كثير منها كان يمر بدبي. هذا ما وثّقته تقارير وزارة الخزانة الأمريكية مرات عدة.

مركز دبي المالي العالمي تحديدًا كان من أكثر الأماكن استخدامًا في تسهيل معاملات كانت تتجاوز حدود العقوبات. وحتى بعد أن زعمت الإمارات تشديدها لقواعد الامتثال في عام 2021 استجابةً للضغوط الدولية. فإن الأموال القذرة التي تدفقت قبل ذلك لم تختف بل واصلت عملية الغسيل بطرق ملتوية - العقارات المملوكة عبر شركات وسيطة والمصالح التجارية المتشعبة ظلت موجودة. وبعضها متصل بدوائر نفوذ إيراني. حيث تواصلت العقوبات الأمريكية على شركات في دبي حتى قبل ايام.

وهنا تبدأ المفارقة الحقيقية: الحرس الثوري يهدد البنية التحتية التي ساهم هو نفسه في تسمينها والنفوذ فيها وهي شاركت في تغطية عملياته. لا يوجد فصيل عسكري في العالم يهدد بضربة أصول هو الآخر مستفيد منها، إلا حين يكون الحساب في السلم سياسيًا ودعائيًا مختلفاً عن لحظة الحرب الفعلية حيث تتغير الحسابات جذريًا. وإيران لن تحسب خسائرها الخاصة كما أنها لم تحسبها حين ضربت المصالح الأمريكية في العراق وقطر.

الإمارات ليست هدف إيران الأول من حيث الأولوية العسكرية، لكنها الأسهل والأكثر أثرًا في آن واحد. القاعدة العسكرية الأمريكية في الظفرة موجودة على أراضيها. وإذا كان الهدف إشعال حرب إقليمية قبل أي ضربة أمريكية فالإمارات هي التي ستحولها إلى حرب فعلية بسرعة أكبر من أي مكان آخر. والأهم اقتصادياً أن دبي ليست مجرد مدينة - هي عصب تجاري يخدم شركات غربية ضخمة ويربط شرق العالم بغربه. إذا طالت ضربة واحدة هذه البنية فإن التداعيات ستكون فورية وعالمية.

الإمارات تملك منظومة دفاعية متطورة من ثاد والباتريوت. لكن التهديد الإيراني الأكثر خطورة لا يأتي من صواريخ كبيرة قابلة للرصد. بل يأتي من صواريخ كروز صغيرة وطائرات مسيّرة وهي الأدوات التي أثبتت فاعليتها في هجمات اقليمية سابقة. السيناريو الأكثر احتمالية ليس هجومًا واحدًا كبيرًا، بل موجة متكررة من الهجمات الصغيرة التي تستنزف المنظومات الدفاعية وتخلق فوضى حقيقية. الدفاع العسكري وحده لن ينقذ مركز دبي المالي.

ما فعله التلفزيون الإيراني أذكى من مجرد تهديد: كشف عن خريطة استهداف حقيقية، وحوّل الإمارات من حليف صامت إلى هدف مُعلن، وأوجد ضغطًا على ابوظبي ودبي للتراجع عن أي تعاون مع واشنطن. هذا هو السلاح الحقيقي : ليس الصاروخ الذي سيُطلق غدًا بل الخوف منه الذي سيجعل دبي تراجع حساباتها من الآن. الأكثر إحراجًا أن من يسمن دبي في السلم هو من سيحرقها في الحرب. ومن أسهمت دبي في تسمينه هو الذي يهددها اليوم. والسؤال الحقيقي ليس هل سينقذ أحد مركز دبي المالي. بل: هل ستسمح ابوظبي بأن يصل الصراع إلى النقطة التي يصبح فيها هذا السؤال مشروعاً؟​​​​​​​​​ بل وأكثر من ذلك بأن تمنع السؤال من أن يُطرح أصلاً. لا أن تبحث عن جواب له ! خاصة ان الجميع يعلم بان ابوظبي لم تشارك في الجهود الدبلوماسية الخليجية للضغط على طرفي الصراع لمنع الحرب وتخفيف التوتر !!