نحو حكومة كفاءات ‘‘لا تُرضي الجميع’’، لكنها ‘‘تُقنعهم’’
✍🏾 أكاد أجزم أن أزمة الحكومات السابقة في اليمن لم تكن كامنة في الأشخاص بقدر ما كانت متجذّرة في المنهج الذي حَكم عملية التشكيل، حيث تحوّلت الدولة من فكرة جامعة إلى مساحة مقسّمة بين قوى تتقاسم النفوذ لا المسؤولية.
دعوني أدخل في صلب الموضوع مباشرة وأقول بوضوح تام لا يحتمل اللبس:
المحاصصة السياسية، بوصفها آلية إدارة لا مرحلة اضطرارية، أفرزت حكومات هشّة، متناقضة الإرادة، تفتقد القدرة على الفعل، لأن القرار فيها كان نتاج توازنات خارج المنطق المؤسسي.
من هنا - تحديداً - يكتسب التوجه الجاد المُعلن من قبل الثنائي المخضرم رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي ورئيس الحكومة الدكتور شائع محسن نحو حكومة تكنوقراط دلالته العميقة (كحدث غير مسبوق في تاريخ اليمن المعاصر)؛ فهو لا يعد بتغيير شكلي، بل يطرح إمكانية قطيعة معرفية مع نمط حكم جعل من الدولة غنيمة ومن الوظيفة العامة امتداداً للولاء، لا للاختصاص.
بيد أن الانتقال من منطق المحاصصة إلى منطق الكفاءة لا يتحقق كما أرى بالإعلان عنه، بل بتأسيس معيار واضح وشفاف للاختيار، معيار يُعيد تعريف “الاستحقاق” بوصفه حصيلة مركبة من القدرة المهنية، والنزاهة، والاستقلال، و"الانتماء إلى فكرة الدولة" قبل أي انتماء آخر.
فحكومة تكنوقراط في اعتقادي لا تعني إلغاء السياسة، بل إخضاعها للعقل المؤسسي، حيث يصبح الوزير موظفاً عاماً رفيعاً لا ممثلاً لجغرافيا أو جماعة ضغط.
بهذا المعنى الواضح، المشار إليه أعلاه، فإن استعادة الثقة المفقودة لا تمر عبر خطاب سياسي مُنمّق، بل عبر أداء وطني واضح يقيس نفسه بميزان النتائج، ويحتكم إلى القانون بوصفه مرجعية عليا لا ورقة تفاوض.
لكن هذا المسار العقلاني يصطدم بقلق مشروع يتصاعد في الفضاء العام، مفاده أن خطاب الكفاءة قد يتحول إلى غطاء لإعادة إنتاج الإقصاء، خصوصاً تجاه محافظات عانت تاريخياً من تهميش لا يتناسب مع حجمها ولا مع طاقات أبنائها.
في الواقع إنّ التحذير الذي أطلقه ياسين مكاوي مستشار الرئيس في حسابه في موقع التواصل الإجتماعي إكس باتجاه إقصاء أبناء عدن، على سبيل المثال لا الحصر، لا يمكن قراءته كاعتراض جهوي ضيق، بل كتنبيه سياسي وأخلاقي إلى خلل بنيوي: حين تُختزل الكفاءة في دوائر ضيقة من النفوذ، تفقد معناها، وتتحول من معيار مهني إلى أداة انتقائية.
بعبارة أخرى أدق وأوضح: العدالة هنا ليست نقيض الكفاءة، بل شرطها الضروري، لأن استبعاد الجغرافيا لا يلغي حضورها في الواقع، بل يدفعها إلى التعبير عن ذاتها خارج الدولة لا داخلها.
وعليه، فإن ضمان عملية اختيار عادلة ومنصفة لا يتحقق بالنوايا الحسنة، بل بتصميم آلية مؤسسية واضحة، تقوم على معايير اختيار واضحة، وتحديد متطلبات كل حقيبة وزارية، وفتح المجال لتقييم مهني مستقل، يوازن على نحو دقيق بين "الكفاءة الفردية" و"التمثيل الوطني العادل" بوصفه قيمة استقرار لا منّة سياسية.
في نهاية المطاف أرى أن التمثيل المتوازن لا يعني تقاسم الحصص، بل الاعتراف بأن الدولة، لكي تكون دولة، يجب أن ترى نفسها في جميع محافظاتها، وأن تمنح أبناءها المستحقين فرصاً متكافئة للانخراط في إدارتها.
عندها فقط، يمكن لحكومة قادمة أن تكون مختلفة حقاً: حكومة "لا تُرضي الجميع"، لكنها "تُقنعهم"، لأنها تنطلق من منطق الدولة لا من حسابات اللحظة.
- سامي الكاف
مستشار وزير الإعلام والثقافة والسياحة
