المشهد اليمني

الرياض… سياسة الاحتواء في زمن الحرائق

الجمعة 30 يناير 2026 11:53 مـ 12 شعبان 1447 هـ
الرياض… سياسة الاحتواء في زمن الحرائق

تحاول الرياض، في خضمّ إقليمٍ مثقل بالأزمات والتوترات والمغامرات غير المحسوبة، أن تقوم بدورٍ شاقّ في احتواء الحرائق قبل اتساعها، وإدارة التناقضات قبل انفجارها. وهو دورٌ لا يخلو من كلفةٍ عالية، سواء على ميزانيتها، أو على حساب أولوياتها التنموية الطموحة، بل وحتى على مستوى علاقاتها الإقليمية والدولية.
ومع ذلك، فهذه هي الرياض في مختلف مراحل تاريخها السياسي؛ تختار الاستقرار الإقليمي قدر الإمكان، مهما كانت الأكلاف، ومهما تباينت ردود الأفعال.

هذا السلوك السياسي ليس طارئًا ولا ظرفيًا، بل هو امتدادٌ لهويةٍ راسخة؛ جعلت من الرياض مهبطًا للسياسة الهادئة والاحتواء، كما أن السعودية في بعدها الروحي مهبط الوحي ومنبع الرسالة، بشرف الحرمين الشريفين، وهو شرفٌ لا يدانيه شرف، ويُحمّل صاحبه مسؤولية أخلاقية وتاريخية تتجاوز حدود الجغرافيا.

في المقابل، تعيش الدول المبتلاة بالحروب والصراعات حالة انقسامٍ داخلي حاد.
إراداتٌ متنازعة بين:
•من سئم الحروب، ويتطلع إلى السلام بأي ثمن، ولو كان سلامًا هشًا أو منقوصًا.
•ومن قدّم تضحياتٍ باهظة، ودفَع أثمانًا جسيمة للخلاص من الأزمات، ولا يرى في أي تسوية لا تُحقق أهداف تلك التضحيات سوى تفريطٍ لا يمكن قبوله.
•وثالثٌ امتهن الأزمات، واتّخذ منها موردًا لمصالحه الضيقة، ولا يريد لها أن تنتهي أو تنضب.

وسط هذا المشهد المعقّد، تبدو سياسة إطفاء الحرائق واحتوائها – حتى مع التباين في تقييمها أو الاختلاف حول مخرجاتها – خيارًا عقلانيًا وحكيمًا، بل ضرورة سياسية وأخلاقية. فالحروب تجرّ حروبًا، والمآسي تولّد مآسي، والشعوب وحدها هي من تدفع الثمن، وقد بلغت في كثير من مناطقنا حدّ الإنهاك، ولم تعد تحتمل المزيد من الأزمات والمغامرات غير المحسوبة.

من هنا، فإن الاتفاق أو الاختلاف مع تفاصيل هذا النهج لا ينبغي أن يحجب جوهره:
سياسة الاحتواء ليست ترفا، بل محاولة شاقة لوقف الانهيار، ومنع تمدد الحرائق، وفتح نوافذ أمل في إقليمٍ أنهكته الصراعات.
وهو دورٌ يستحق الإشادة والتقدير، لأنه يُدرك حقيقة واحدة: أن السلام، مهما كان معقّدًا، يظل أقل كلفة من حروبٍ لا نهاية لها.

يا له من صبرٍ وذكاءٍ وسخاءٍ يتمتّع به هؤلاء الأشقاء؛
صبرٌ على ثِقل المسؤولية وعجرفة الخصوم، وذكاءٌ في إدارة التعقيدات والأزمات، وسخاءٌ يتحمّل كلفة الاستقرار عن غيرهم قبل أنفسهم… فاستقرار المنطقة لا يُصنع مجانًا.