أثر تقلبات النظام الدولي على أركان الحوكمة الدولية ومصير المنظمات
لم يبلغ أن واجه النظام الدولي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية تحديات كالتي يواجهها الآن، والتي من شأنها أن تقوّضه وتهدم أركانه.
والغريب أن الضربات الشديدة الموجهة إلى أركان هذا النظام لم يأتِ من الدول التي عانت منه، بل من أهم دولة كانت قد صممته على مقاسها، وهي الولايات المتحدة الأمريكية.
في النظام السابق ساد قدر كبير من الاستقرار في الخارطة السياسية، ولم تظهر فيها تغييرات إلا بشكل محدود في مطلع السبعينيات، مع آخر موجات ظهور دول الاستقلال، ثم نشوء دول جديدة كانت ضمن الاتحاد السوفيتي بعد قرابة عقدين، إلى جانب حالتين وحدويتين.
أما الجانب الآخر فتمثّل في عولمة الاقتصاد بنكهة الهيمنة الثقافية الغربية ونمط الاستهلاك الوفير، ووضع قواعد هائلة للتجارة جعلت الاقتصاد آخر أدوات الحرب ما ضمن ادارة الصراع الدولي واتساع رقعة الثروة وتوزيع للعمل بروح نفعية وليست تكاملية بطبيعة الحال.
وبالتأكيد تولّت الأمم المتحدة ومجلس الأمن دورًا رمزياً في تثبيت السلم الدولي.
لكن ترامب ينزع إلى عسكرة التجارة وخصخصة أدوات حفظ السلم الدولي، والتحول بها من منطق تشاركي في تحمّل المسؤولية الدولية إلى دور ربحي تؤديه شركات الأمن الدولية.
ولهذا تداعيات كثيرة، لكني أريد الذهاب إلى ركن من أركان ذلك النظام، وهو المنظمات الدولية وغير الحكومية، والمرتبطة رأسيًا بمنظمات المجتمع المدني في دول ما كان يُطلق عليها العالم الثالث.
تولدت علاقة عضوية بين أعضاء هذا المجتمع المدني والتمويلات الدولية ضمن أيديولوجيا ليبرالية حيّدت الدولة شيئًا فشيئًا، وأوجدت جماعات ضغط، وصناعة نجوم وطنيين ينالون اعترافهم من مؤسسات دولية ووسائل إعلام دولية، وعندما نقول دولية نقصد غربية بالطبع.
إن تغيّر قواعد اللعبة في النظام الدولي، وهزّ أركان هذا النظام، يعني بالتالي تغييرًا في دور ومكانة المنظمات الدولية وغير الحكومية كلاعب أساسي في حوكمة العالم.
كما أن تغيير النظام الدولي يعني العودة إلى الدول الوطنية وتقويض العلاقات العابرة للأوطان بين المجتمع المدني والمنظمات.
ومن المرجح. على ضوء هذه التغييرات المتسارعة المربوطة إلى مزاج ارعيم الدولة الاقوى، أن تتقلص التمويلات الدولية وقد تتلاشى أمام التحديات البنيوية واعادة فرز الأولويات التي ستواجهها دول المنظومة الغربية، وستجد منظمات المجتمع المدني نفسها بلا راعٍ، ومن دون برامج، وربما في مواجهة مباشرة مع الأنظمة الوطنية.
