الرد على الظبياني المتصهين (2) مشروع بلا شرعية: لماذا يفشل التغيير القسري؟
يطرح علي النعيمي رؤية يقدمها كـ”تحديث”، لكنها في جوهرها إعادة إنتاج للمنطق الاستعماري بأدوات محلية. مشروع يدّعي التغيير بينما يمارس الإكراه، ويزعم النهضة بينما يفرض الوصاية.
من منظور حضاري، ما يطرحه علي النعيمي ليس مشروع تغيير بقدر ما هو قطيعة كاملة مع التراث العربي والإسلامي في فهم السلطة والعلاقة بين الشعوب. الإمبراطوريات الإسلامية، رغم كل ما يُقال عنها تاريخياً، لم تقم على مبدأ إلغاء الآخر أو إعادة تشكيله بالقوة، بل عاشت على التعددية والتعايش في إطار تراتبية حضارية لا تنفي الإنسانية. أما ما يتحدث عنه النعيمي فهو استيراد لأسوأ ما في الفكر الاستعماري، متخفياً بشعارات الحداثة، بينما جوهره يقوم على منطق السيطرة وحق القوة الخام. وهنا يبرز السؤال الجوهري: بأي حق، وبأي شرعية أخلاقية أو سياسية، تملك النظام في أبوظبي أو تل أبيب سلطة تقرير ما هو “التغيير الملائم” لشعوب تمتد من المحيط إلى الخليج؟ من منحهم هذا التفويض؟ الشعوب لم تُستشر، والبرلمانات لم تناقش، والمجتمعات المدنية تعارض، فبأي منطق يُسمى هذا تحديثاً أو نهضة؟ إنه ببساطة فرض إرادة نخبة ضيقة تملك المال والسلاح، لا الشرعية ولا الإجماع.
الأدهى من ذلك أن هذا المشروع يعيد إنتاج المنطق الاستعماري ذاته الذي عانت منه المنطقة عبر قرون: من “التحضير العثماني” إلى الاستعمار الأوروبي. وفي كل مرة كان الثمن دماء وحدوداً مصطنعة وصراعات طويلة. الجديد هنا أن الأداة أصبحت محلية، وأن منّا من يتبنى منطق السيد القديم بحجة التحرر منه، وهي ذروة الاغتراب الحضاري أن يتحول بعض العرب إلى وكلاء طوعيين لإعادة تشكيل منطقتهم وفق تصورات الخارج. هذا الاغتراب لا يقتصر على البعد السياسي، بل يمتد إلى البعد الأخلاقي حين يغيب الوعي بالمسؤولية تجاه نتائج "المعارك" التي يدعو إليها النعيمي. من سيدفع ثمنها؟ الشعوب التي لم تُستشر. من سيتحمل الانقسامات والتوترات؟ المجتمعات التي بالكاد تتنفس. هذا ليس مشروعاً سياسياً مسؤولاً، بل مغامرة أيديولوجية تحركها روح الوصاية لا روح المشاركة.
سياسياً، هذا المشروع محكوم بالفشل لأن أي تغيير حقيقي لا يُفرض من فوق ولا من الخارج، بل ينبع من داخل المجتمعات، من صراعاتها وتطلعاتها الذاتية. كل محاولة لفرض التغيير بالقهر، سواء عسكرياً أو اقتصادياً، ستولد مقاومة، تماماً كما أثبتت تجارب العراق وليبيا وسوريا. ثم إن فكرة أن المنطقة “راكدة” تنتظر من يحركها تعكس جهلاً عميقاً بحيويتها، فمنطقتنا لا تتوقف عن التغيير، لكنها تُحرم من العدالة التي تجعل هذا التغيير ذا معنى. ما تحتاجه ليس وصاية أو وصلاً قسرياً بإسرائيل، بل انفتاحاً حقيقياً على شعوبها، على الحوار، على المساواة، لا على علاقة التابع بالمتبوع.
من منظور أخلاقي كوني، فإن خطاب النعيمي يتناقض مع أبسط قيم الحداثة التي يزعم تبنيها: احترام الإنسان، رفض الهيمنة، الحق في تقرير المصير. هو في جوهره عودة إلى "أخلاق القوة الخام" التي دفنتها الإنسانية بعد حربين عالميتين، لكنه يُعاد اليوم بلهجة عربية. والمفارقة الكبرى أن هذا الخطاب لا يُظهر قوة بقدر ما يكشف ضعفاً عميقاً، فمن يملك مشروعاً حقيقياً للتقدم يغري لا يفرض، يُقنع لا يقهر، يُلهم لا يُهدد. المشاريع الحضارية الناجحة، من كوريا الجنوبية إلى ألمانيا، غيرت محيطها بالنموذج لا بالقوة، أما حين يتحول "التغيير" إلى فعل إكراه، فهو إعلان بأن الفكرة فقدت قوتها الجاذبة، فاستعانت بالعنف لتعويض الفقر الأخلاقي والفكري.
إن ما يقدمه النعيمي ليس رؤية للمستقبل، بل استعادة فجة لخطاب المستعمر القديم الذي كان يتحدث عن "عبء الرجل الأبيض"و"مهمة التحضير". والآن يُعاد إنتاجه بالعربية وبشراكة مع آخر مشاريع الاستيطان في التاريخ. لكنه، كسائر مشاريع الوصاية، محكوم عليه بالزوال. لأن منطق القوة لا يصمد أمام منطق العدالة، ولأن الشعوب مهما صبرت لا تُشكَّل حسب أوهام من في السلطة. الرد الحقيقي على هذا المشروع هو في التمسك بالقيم المقابلة: الحرية بدلاً من الإكراه، الحوار بدلاً من الفرض، السيادة والشرعية الشعبية بدلاً من الوصاية. المنطقة لا تحتاج من "يغيرها" بل من يترك لها حق التغيير بنفسها وفي توقيتها، ضمن إرادة شعوبها لا تحت حراب التحالفات الجديدة.
