المشهد اليمني

الرد على الظبياني المتصهين (١) امبراطورية الوهم : قراءة في خطاب الهيمنة الإقليمية !

الإثنين 26 يناير 2026 10:25 صـ 8 شعبان 1447 هـ
سليمان العقيلي
سليمان العقيلي

حين يعلن الأكاديمي الظبياني علي النعيمي في برلمان دولة تحت الاحتلال أن اتفاقاً سياسياً محدوداً قد يتحول إلى مشروع سياسي وثقافي وحضاري لإعادة تشكيل المنطقة بأكملها. وأنه مستعد لخوض “ام المعارك” من أجل فرض هذا التغيير. فإننا لا نواجه مجرد تصريح سياسي انفعالي بل كشفاً صريحاً لجوهر مشروع نزعة سلطوية تُخفي نفسها خلف شعارات التسامح والحداثة والتطبيع. في مثل هذا الخطاب تتجلى إرادة السيطرة في أنقى صورها، ولكنها تأتي هذه المرة من داخل المنطقة ذاتها، لا من قوة استعمارية خارجية. وهو ما يجعلها أكثر خطورة، لأنها تتحدث بلسان الداخل وتستخدم لغته لتبرير إخضاعه واستعماره.

جوهر الإشكال هنا يكمن في تصور الذات والآخر. فحين يُطرح مشروع “لتغيير المنطقة”، هناك افتراض ضمني بأن طرفاً واحداً يمتلك الحق والمعرفة لقيادة التغيير بينما تُختزل بقية الشعوب إلى كتل ساكنة تنتظر من يشكلها من جديد. هذا المنطق ليس تحديثاً بل إعادة إنتاج لفكرة الوصاية؛ وكأن شعوب المنطقة بحاجة إلى "من ينقذها من نفسها ". ومع أن التاريخ شهد تدخلات مشابهة من قوى استعمارية بعيدة. إلا أن المأساة اليوم أن هذا الخطاب يصدر من أنظمة صهيونية او متصهينة تتحدث بلغة القوة لا بلغة الشراكة.

من الناحية الأخلاقية، هذه الرغبة في “فرض التغيير” تتناقض مع جوهر الكرامة الإنسانية. فالتغيير الحقيقي لا يُصنع بالإكراه بل بالمشاركة الحرة والعقل الجمعي. كل مشروع يدّعي أنه يريد تحديث الناس دون أن يستمع إليهم، هو في حقيقته مشروع استبداد جديد. ومن المؤلم أن يُختزل ملايين البشر إلى موضوعات في خطة سياسية صاغتها نخب معزولة، ثم يُطلب منهم أن يصفقوا وهم سادرون يُعاد تشكيل مصائرهم دون حق الرأي أو المشاركة.

الأكثر صدمة أن هذا الخطاب التحويلي يجد سنده في تحالف مع دولة قائمة على الاحتلال والإقصاء. فكيف يمكن لمن يدّعي السعي نحو "تغيير إيجابي" أن يتحالف مع منكر الوجود والحقوق؟ إن هذا التناقض الأخلاقي يفضح المعنى الحقيقي للمشروع: ليس تحديثاً ولا سلاماً، بل إعادة ترتيب للمنطقة على مقاس القوى المتحالفة عبر أدوات المال الحرام والنفوذ المشترى والتطبيع السياسي والإعلامي المفروض .

من زاوية إنسانية هذا الخطاب يسلب الشعوب حقها في تقرير مصيرها كما نصت عليه المعاهدات الدولية ومواثيق الأمم المتحدة. وهو أبسط مقومات الكرامة الوطنية. التغيير الذي يُفرض من فوق لا يصنع نهضة. بل يولد اغتراباً وتمرداً صامتاً. ما تحتاجه المنطقة ليس من "يرسم خريطتها من جديد" بل من يُعيد الثقة إلى شعوبها، ويمنحها الحق في صياغة مستقبلها وفق إرادتها الحرة.

إن أخطر ما في هذا النوع من المشاريع ليس فقط طموحها للهيمنة، بل ما تتركه من أثر جانبي مدمر على نسيج المجتمعات. فحين يُفرض التغيير من الأعلى، ويُقصى الناس عن المشاركة في رسم مستقبلهم، تُفتح الأبواب أمام مشاعر الإحباط والعدمية، وهي البيئة المثالية لنمو التطرف.
إن سياسات التحكم والإكراه لا تصنع استقراراً. بل تولّد رفضاً صامتاً يتحول مع الوقت إلى عنف. ومن المفارقة أن القوى التي تزعم محاربة الإرهاب تُغذّيه من حيث تشعر او لا تشعر لأنها تزرع في النفوس ذات الإحساس بالظلم والإقصاء الذي يُشعل دوائر العنف من جديد. وهكذا تصبح مشاريع السيطرة التي تدّعي "التحديث" أحد أهم مصادر الانقسام والكراهية والعنف في منطقة عانت طويلاً من نزيفها جميعاً.

ما يُقدَّم اليوم باسم “التغيير” قد يتحول إلى قيد جديد يغلّ الوعي قبل أن يغيّر الواقع. فحين يُسمح للقوة أن تتكلم باسم المستقبل يُغتال الحلم الإنساني بالحرية من داخله.
إن أخطر ما يواجه هذه المنطقة ليس العدو الخارجي فحسب. بل الوهم الذي يتسلل من داخلها مرتدياً ثوب الحداثة ومبشّراً بالخلاص.
وما لم تستيقظ الشعوب إلى أن مصيرها لا يُكتب في عواصم النفوذ المشترى بل في إرادتها الحرة، فإنها ستجد نفسها في الغد وقد استعمرت من جديد ولكن هذه المرة باسم التطوير والتنوير والسلام المصطنع .

وإذا كان هذا المشروع يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي والهوية، فإن الردّ لا يكون بالشعارات المرتفعة، بل بالعودة إلى القيم التي صنعت وجودنا الجمعي: إلى قيم العدل والكرامة والاستقلال الوطني .. إلى ذاكرة التاريخ التي تُذكّرنا بأن الاستبداد مهما تجمّل يظل استبداداً، وإلى الأخلاق التي تحوّل المناعة والمقاومة إلى فعلٍ إنساني لا إلى مجرد رفض.