المشهد اليمني

مشكلة أبوظبي أعمق من أن يحلّها فنجان قهوة أو مصافحة بروتوكولية

الإثنين 26 يناير 2026 08:58 صـ 8 شعبان 1447 هـ
مشكلة أبوظبي أعمق من أن يحلّها فنجان قهوة أو مصافحة بروتوكولية

من وجهة نظري وهي بالمناسبة ليست وجهة نظر طارئة إذ كانت قد تأسست منذ 2017 عن نشاط أبوظبي في المنطقة وتطورت وفق تطور المشهد ، فهذا التشخيص ليس انفعاليًا بل نتيجة رصد استراتيجي ، وعليه: ليست كل الخلافات قابلة للحل بفنجان قهوة أو صورة بروتوكولية أو مصافحة أمام الكاميرات . هذا النمط من المصالحات يفترض بطبيعته أن الإشكاليات عابرة أو شخصية أو ناتجة عن سوء تقدير سياسي مؤقت . لكن ما تكشفه التجربة مع ابوظبي خصوصًا في ضوء تصريحات شخصياتها الرسمية مثل علي النعيمي داخل الكنيست الإسرائيلي ، أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير وأننا لسنا أمام توتر سياسي تقليدي بل أمام تباين بنيوي في الرؤية والدور والوظيفة داخل الإقليم .

حين يقول مسؤول إماراتي (كما يظهر في الفيديو المرفق) إن اتفاقية التطبيع مع إسرائيل ليست اتفاقية ثنائية بل اتفاقية لتغيير المنطقة بأكملها ، وإن بلاده ستقود المعارك من أجل فرض هذا التغيير فهو لا يصف مجرد سياسة خارجية بل يعلن عقيدة سياسية كاملة . هذه العقيدة تنظر إلى التطبيع بوصفه منصة لإعادة هندسة البيئة الإقليمية لا كأداة لخفض التصعيد أو إدارة الصراع . وهنا يتضح أن أبوظبي لا ترى نفسها دولة تسعى إلى الاندماج في منظومة توازنات قائمة بل النهوض بدور وظيفي خارج المنظومة فالدولة الوظيفية تحتاج دائمًا إلى “راعٍ ” يدعمها ويشترك معها في ذات الهدف لتحقيق التغيير المنشود .

هذا التحول يفسر المسار الإماراتي خلال العقد الأخير حيث انتقلت من دولة تركز على ضمان أمنها ضمن “الإطار الخليجي” إلى لاعب يسعى للتمركز الوظيفي في إدارة الأزمات الإقليمية . لم يعد الهدف هو تحقيق التوازن بل احتلال موقع “المشغّل” الذي يملك القدرة على التأثير في مسارات الدول والصراعات ، مستندًا إلى تحالفات “فوق-عربية” وقد تجسدت في الشراكة مع إسرائيل ، التي جرى توظيفها كرافعة قوة ومضاعف نفوذ يتجاوز المحددات الطبيعية للحجم والجغرافيا والديموغرافيا الإماراتية .

في هذا السياق لم تعد إسرائيل مجرد شريك يرتبط بعلاقات دبلوماسية بل تحولت إلى عنصر مركزي في معادلة الدور الإماراتي . فالتفوق الإسرائيلي استخباراتيًا وتقنيًا وعسكريًا يمنح أبوظبي قدرة على توسيع مجال حركتها الإقليمية نحو طموح أكبر للإحتماء بمظلة “أمريكية–إسرائيلية” مشتركة يتيح لها خوض مغامرات سياسية وأمنية ما كانت لتقدم عليها بمفردها . غير أن هذه المعادلة تحمل في جوهرها هشاشة بنيوية لأنها تربط الدور الإماراتي بإرادة شركاء خارجيين قد تتغير أولوياتهم في أي لحظة ، وأمريكياً فرص العلاقة مع دول المنطقة أكثر إغراءً للمصالح الأمريكية من تلبية العدوانية الإماراتية لتعويض الشعور بالنقص تجاه حلفاء أمريكا الآخرين .

تجسدت هذه العقيدة عمليًا في سياسات تقوم على تفكيك الدول أكثر مما تقوم على تثبيت توازناتها عبر دعم كيانات موازية للدولة الوطنية وإضعاف مراكز القرار المركزية ، وتحويل “الجغرافيا الاقتصادية” – خاصة الموانئ والممرات الحيوية – إلى أدوات نفوذ سياسي . كما ظهر ذلك في الاستثمار المكثف في إعادة تشكيل النخب والإعلام والسرديات بما يخدم شرعنة الانقلابات والفوضى المنظمة بوصفها “حلولًا واقعية” لأزمات المنطقة كما تريد أن تسوّق لها .

في المقابل، تتبنى السعودية مقاربة مختلفة جذريًا تنطلق من مركزية الدولة الوطنية ومن اعتبار الاستقرار شرطًا لأي نفوذ مستدام . فبدل هندسة الصراعات تعمل الرياض على خفضها وبدل توظيف الفوضى تسعى إلى بناء توازنات شاملة ، وبدل تحويل التحالفات إلى أدوات عبث ، تستخدم هذه التحالفات كوسائل لضبط الإقليم ومنع انزلاقه نحو التفكك . هذا الفارق ليس نهجاً تكتيكيًا بل اختلاف فلسفي في فهم معنى القوة ووظيفتها وأين يتم توظيفها بالشكل الصحيح .

من هنا يصبح واضحًا أن أي حديث عن مصالحة تقليدية مع “أبوظبي” على الطريقة العربية لا يلامس جوهر المشكلة . فالمسألة ليست في حرارة العلاقات ولا في شكل الخطاب لكن في اتجاه البوصلة بأكملها . أي مصالحة لا تُبنى على مراجعة استراتيجية إماراتية حقيقية تتضمن تخليًا عمليًا عن سياسة العبث ببنى الدول والتزامًا واضحًا بمنطق الدولة الوطنية ستظل مصالحة شكلية قابلة للانهيار عند أول اختبار جدي ، ومن هنا خطورة ما اقدمت عليها أبوظبي إذ حوّلت خلافاً قابلاً للإدارة إلى تناقض بنيوي يصعب تجاوزه بل ويجب التصدي له بكل حزم .