تهامة خارج الدولة التضحية في الجبهات والإقصاء من السلطة.
تُعدّ المواطنة المتساوية حجر الأساس لأي دولة حديثة، وهي المعيار الحقيقي الذي تُقاس به عدالة الأنظمة السياسية ومصداقية شعاراتها. غير أن الواقع اليمني، عبر تاريخه الحديث، يكشف عن خلل بنيوي عميق في مفهوم المواطنة، حيث لم تُمارس باعتبارها حقًا جامعًا لكل اليمنيين، بل كامتيازٍ سياسي واجتماعي يُمنح لفئات ويُحجب عن أخرى. وفي هذا السياق، تمثل تهامة نموذجًا صارخًا لـ المواطنة الناقصة، حيث يتجلى الإقصاء السياسي الممنهج، رغم ما قدمه أبناء الإقليم من تضحيات جسيمة دفاعًا عن الوطن. تمتد تهامة على شريط ساحلي استراتيجي بالغ الأهمية، وتمتلك ثقلًا سكانيًا واقتصاديًا وثقافيًا لا يمكن إنكاره. ومع ذلك، ظل هذا الإقليم لعقود طويلة خارج دوائر التأثير السياسي وصنع القرار. لم يكن التهميش الذي طال تهامة ناتجًا عن الصدفة أو ضعف الحضور، بل هو نتيجة سياسات مركزية واعية قامت على إقصاء ممنهج، وحرمان متعمد من التمثيل العادل في مؤسسات الدولة، العسكرية منها والمدنية. عانى التهاميون من اختلالات تنموية حادة، وغياب للبنية التحتية، وتهميش في التعليم والصحة، في وقت كانت فيه موارد الإقليم تُستنزف دون أن ينعكس ذلك على حياة أبنائه. هذا الواقع كرّس شعورًا عميقًا بالغبن، ورسّخ حالة من الاغتراب بين الدولة ومواطنيها في تهامة. في كل مراحل الصراع الوطني، كان أبناء تهامة في الصفوف الأولى للدفاع عن اليمن. يُستشهد التهاميون في الجبهات، وتُقدَّم دماؤهم قربانًا للوطن، بينما يُستبعدون من غرف القرار. هذه المفارقة الأخلاقية والسياسية تكشف عن خلل عميق في بنية الدولة، حيث يُختزل دور فئة كاملة في كونها وقودًا للحرب، لا شريكًا في السلام أو في رسم مستقبل البلاد. لم يُترجم هذا الحضور العسكري والتضحية الوطنية إلى تمثيل سياسي عادل، ولا إلى مشاركة حقيقية في صياغة السياسات العامة أو في إدارة المرحلة الانتقالية. وغالبًا ما جرى التعامل مع التهاميين ككتلة صامتة، يُستدعى أبناؤها عند الحاجة، ويُعاد تهميشهم عند اقتسام السلطة. إن ما تتعرض له تهامة ليس مجرد خلل مرحلي أو خطأ إداري، بل هو نمط متكرر من الإقصاء السياسي. فضعف تمثيل الإقليم في الهيئات السيادية، ومفاوضات السلام، والسلطات الانتقالية، يعكس غياب إرادة حقيقية للاعتراف بتهامة كمكوّن وطني كامل الحقوق. هذا الإقصاء لا يهدد فقط حقوق التهاميين، بل يضرب فكرة الدولة نفسها، لأن أي دولة تُبنى على إنكار مكوّناتها محكوم عليها بالهشاشة وعدم الاستقرار. فالمواطنة المجتزأة تنتج ولاءات منقوصة، وتفتح الباب أمام صراعات مستقبلية تُغذّيها المظالم المتراكمة. إن إنصاف تهامة اليوم هو اختبار حقيقي لجدية المرحلة الانتقالية، ولمصداقية الخطاب السياسي الذي يتحدث عن الدولة المدنية، والمواطنة المتساوية، والعدالة الانتقالية. فلا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح ما لم يُعالج جذور الإقصاء، ويُعيد الاعتبار للمناطق والفئات التي ظُلمت تاريخيًا. يتطلب هذا الإنصاف إجراءات واضحة، تبدأ بالاعتراف الرسمي بالمظلومية التهامية، مرورًا بضمان تمثيل عادل في مؤسسات الدولة، وصولًا إلى سياسات تنموية تُعيد التوازن بين المركز والأطراف. كما يستدعي إشراك أبناء تهامة في صنع القرار، لا بوصفهم ضحايا، بل كشركاء أصيلين في بناء اليمن الجديد. لقد ظل التهاميون أوفياء لوطنهم، رغم كل ما تعرضوا له من تهميش وإقصاء. قدّموا التضحيات، وصبروا على الغبن، لكن الصبر لا يعني القبول الدائم بالظلم. والتاريخ لن يرحم من فرّط في حقوق مكوّن وطني أصيل، ولا من ظنّ أن الشعارات يمكن أن تحجب الحقائق. إن بناء دولة المواطنة المتساوية يبدأ من الاعتراف بالخلل، وتصحيحه بشجاعة. وتهامة اليوم ليست قضية إقليم، بل قضية وطن، واختبار أخلاقي وسياسي لمستقبل اليمن كله.
