المشهد اليمني

أبو (علي) الحضرمي؟

الجمعة 23 يناير 2026 09:26 صـ 5 شعبان 1447 هـ
أبو (علي) الحضرمي؟


تبدأ الفوضى بالشعارات والكلمات. كلمة «الأمن» تحديدًا، حين تُرفع خارج الدولة، تتحول سريعًا إلى بطاقة مرور مفتوحة للقمع. حضرموت عرفت ذلك جيدًا خلال الفترة الأخيرة.

حضرموت لم تكن يومًا مدينة ميليشيات. تاريخها أقرب إلى التجارة، إلى العلم، إلى الهجرة، منه إلى السلاح. محافظة هادئة، واسعة الصدر، اعتادت أن تبقى بعيدة عن صخب الشعارات والانقلابات. لذلك بدا مستهجَنًا أن تُستدرج إلى مشهد السجون السرية والاعتقالات التعسفية، والخطاب المتشنج الذي يبرر القسوة باسم “الضرورة الأمنية”. ما كشف في مطار الريان وغيره من مناطق حضرموت يعيد إلى الأذهان تجارب عربية مألوفة: ميليشيا تولد مؤقتة، تكبر خارج القانون، ثم تطالب بالشرعية بالقوة.

التاريخ يلمع عبر أبو العلاء الحضرمي، الصحابي الجليل ومبعوث النبي ﷺ، رمز الرسالة والعدل، صورة حضرموت التي لا تعرف الفوضى، ولا تنحني إلا للحق. مقابل ذلك، ظهر أبو علي الحضرمي، اسمه ارتبط منذ أواخر التسعينيات بتنظيمات مسلحة لها ارتباطات خارجية، وتدرب على يد حزب الله، مستفيدًا من نفوذ إيراني ورمزية الضاحية الجنوبية، قبل أن يظهر كقائد ميليشياوي في حضرموت والمهرة، يتنقل بين السجون السرية والخلايا المسلحة، مستنسخًا لغة التهديد والترهيب التي نعرفها من التجارب الإقليمية، ليحوّل المحافظة إلى تجربة فوضى معاصرة.

في الغربة، يلتقي اليمنيون على اختلاف مناطقهم، تجمعهم فكرة اليمن بوصفه وطنًا أكبر من جراحه. لكن حضرموت تظهر كاستثناء هادئ. لا تذوب في اليمن، ولا تعاديه. تتحدث بثقة من يعرف موقعه دون ضجيج، وكأن لديها وطن داخل الوطن الكبير. هويتهم تشكلت خارج منطق المركز، في الاغتراب لا في الثكنات، في العمل لا في الشعارات. لذلك ظلوا أكثر حذرًا من مشاريع الفوضى، وأقل انجذابًا لسلطة السلاح.

ما يُحسب لحضرموت أن أبناءها قالوا «لا» في الوقت المناسب. تمسكوا بفكرة الدولة، رغم عيوبها، لأنهم يعرفون أن الدولة، مهما ضعفت، تظل أقل دمًا من البدائل. وتبقى العدالة هنا ليست خصومة سياسية، بل شرطًا لمنع تكرار التجربة. فالسياسة قد تنسى، أما التاريخ، فلا يفعل.