المشهد اليمني

مستشفى (السلام) السعودي في (صعدة).. هل فعلا تختلف الرياض عن غيرها ؟!

الخميس 22 يناير 2026 09:53 مـ 4 شعبان 1447 هـ
مستشفى (السلام) السعودي في (صعدة)..  هل فعلا تختلف الرياض عن غيرها ؟!

قرأنا خلال الايام الماضية أخبار توقف مرافق صحية وخدمية في عدد من المحافظات اليمنية كانت قد بنيت أو تم تشغيلها السنوات الاخيرة من قبل مؤسسات وجمعيات إماراتية.

الخروج المفاجيء عن التشغيل والجاهزية لمرافق صحية ريفية أو محطات كهرباء، متعلق بالطبع بتداعيات الازمة السياسية والامنية التي نشبت منذ اسبوعين بين الجمهورية اليمنية والامارات العربية المتحدة على خلفية انحراف دورها في تحالف استعادة الدولة.

مهما يمكن قوله حول أن هذه مشاريع خدمية تمول وتدار من جهات غير حكومية ولا سياسية بل تصنف نفسها انسانية محايدة كالهلال الاحمر وغيره، لكنني شخصيا لا استطيع لوم المغادرة او تأييد طلب البقاء، دعوهم يرحلون (بمحض ارادتهم) مثلما كانت بداية دخولهم (بمحض ارادتنا).

لكنني تذكرت قصة قديمة، حين قرأت اليوم تصريحا رسميا لوزارة الكهرباء - التي بالمناسبة وزيرها ينتمي للانتقالي وتعين بضغط من الامارات ذاتها - يكشف ان محطتي الطاقة الشمسية في عدن وشبوة خرجت كليا عن الخدمة وتم ايقافها من أبو ظبي بتقنية التحكم عن بعد، دون اي تنسيق او بلاغ للجهات الرسمية المعنية.

في العام 1982م شهدت مدينة صعدة افتتاح مستشفى السلام بمدينة صعدة، كأكبر مشروع تنموي وانساني وخدمي في مدينة ومحافظة صعدة والمحافظات المجاورة، مستشفى متكامل التخصصات وطاقة استيعابية عالية تم تمويله من قبل حكومة المملكة العربية السعودية انذاك.

رغم مرور 44 عام على تشغيل المستشفى، لازال أبناء محافظة صعدة وماجاوراها في محافظات حجة والجوف وعمران يعرفون جيدا أن هذا المشروع لازال اكبر مرفق صحي حكومي وغير حكومي.

مرت العلاقة بين اليمن والمملكة بحالات مختلفة من فتور وتماسك.

مما يتذكره ابناء صعدة اليوم بسخرية وتندر واسع، عقب تحقيق الوحدة اليمنية واحتلال الكويت وفي ذروة النشوة الامامية اليسارية، تم تنظيم مظاهرات شعبية في مدينة صعدة بعضها رفعت شعارات تطالب بازالة مستشفى السلام السعودي لانه بني على ارض تحتها ثروة نفطية واسعة بغرض حرمان الشعب منها او استغلاله، بعض هذه المظاهرات تقدمها وصاغ شعاراتها البرلماني الراحل عبدالكريم جدبان.

ازمة الخليج، ثم ازمة حرب 1994م ثم ازمة الحدود اليمنية السعودية التي ظلت حتى عام 2000م، ومارافقها من فتور علاقات وتوترات بين البلدين، وصولا إلى سيطرة جماعة الح
و. ثي عام 2011 على مدينة صعدة ثم اندلاع الحرب الشاملة في 2015 عقب الانقلاب الذي قادته الميلشيات انطلاقا من صعدة واجتاحت البلاد، كل هذه الاحداث العاصفة والتوترات المسمومة ظل مستشفى السلام بصعدة حتى اللحظة يعمل بكامل طاقته الاستيعابية والسريرية والتشغيلية يقدم الانقاذ والتشخيص والعلاج والدواء المجاني الكامل بتمويل من حكومة المملكة العربية السعودية ويدار بكوادر محلية واجنبية من أفضل الكوادر الطبية العاملة في اليمن!.

نعم .. رغم 16 عاما منذ اصبحت مدينة صعدة بيد جماعة الحوثي، و11 عاما كاملة منذ اغلقت السفارة السعودية أبوابها في صنعاء واقتحمتها عناصر الانقلاب السلالي، لا زال مستشفى السلام بمدينة صعدة يقدم خدماته ورعايته المجانية كاملة لكل من قصدوه بدون تمييز.

لا اعتقد ان في اليمن مستشفى متكامل يقدم (مجانا) للمرضى طيلة عقود كل خدماته حتى الدواء المجاني، غير مستشفى السلام بصعدة الا مستشفى اخر هو المستشفى السعودي بمدينة حجة، وهذا الاخير ايضا هو مستشفى انشأته المملكة ويعمل بذات الطريقة منذ عام 1997م حتى اللحظة!.

وحين اتجهت العصابة الانقلابية الاجرامية في صنعاء لانتهاك الاعراف والقواعد الدبلوماسية باستهداف سفارة المملكة والعبث بمبناها المغلق ورسمت صورا وعبارات سوقية على اسواره تتضمن اساءات للمملكة وقيادتها، فإن كل الناس المارة من امام المبنى يتبادلون بينهم نظرات الاحتقار للعصابة وسلوكياتها، ويذكرون بعضهم أن هذه الميلشيا تركت خلفها في مدينة صعدة مستشفى سعوديا هو الاضخم والاكفأ والاوفى، عاجزة عن توفير مثله لمن تحكمهم وتنهب ثرواتهم، بل يدركون انها اعجز حتى من تشغيله وتوفير متطلباته الذي لازال يقدمها من تسميه بالعدوان!.

هنا يتجلى الفرق بين الكبير جيرة ونفسا وتاريخا وأهدافا، وبين العصابات الانتهازية محلية او وافدة، وتتضح المسافة الشاسعة بين من طنوحه الاستثمار في الامن والتعايش والسلام والاستقرار، وبين الطارئون الذين افرزتهم صدف ازمنة الفراغ وشوائب التفكير القاصر كأدوات اجيرة او مشاريع أجندة عابثة، وبالتأكيد فمن يحقق الربح المستدام والمكاسب الحقيقية هو صاحب الهدف الاكبر بما فيها المكاسب المادية والاقتصادية.

حتى وان تحققت للصغار عوائد مادية ومكاسب تكتيكية مؤقتة لا تلبث أن تزول، الصغير لا يستطيع تجاوز عقدته!.