المشهد اليمني

هروب الزبيدي وخيوط اللعبة الإقليمية

الخميس 22 يناير 2026 10:30 صـ 4 شعبان 1447 هـ
هروب الزبيدي وخيوط اللعبة الإقليمية

كشفت صحيفة لوس أنجلس تايمز تفاصيل مثيرة حول عملية هروب عيدروس الزبيدي من عدن إلى أبوظبي، في عملية استخباراتية معقدة نفّذتها الإمارات، ما أثار غضباً واسعاً في اليمن والمنطقة. هذا الحدث يكشف بوضوح طبيعة الصراع في جنوب اليمن وأبعاده الإقليمية والدولية التي تتجاوز الشعارات الانفصالية أو الادعاءات بتمثيل “القضية الجنوبية”.

عملية استخباراتية متكاملة

وفق الصحيفة بدأ الهروب عندما كان الزبيدي عالقاً في مطار عدن لتلبية دعوة سعودية. ولإضاعة الوقت انشغل بتفاصيل بروتوكولية بينما كانت جهة خارجية – الإمارات – تُنسّق خطة الإجلاء. أُطلقت قافلتان تمويهيتان من المطار إلى معسكر عسكري، فيما نقلته وحدة خاصة إلى الساحل حيث كانت سفينة تنتظره، وطائرة مسيّرة إماراتية تراقب العملية من الجو. انتقل بعدها بحراً إلى أرض الصومال، ومن هناك جواً إلى أبوظبي.
هذه العملية المحكمة تُظهر دعماً استخباراتياً ولوجستياً مباشراً من الإمارات، وهو مايؤكد أن الزبيدي ليس فاعلاً مستقلاً بل أداة ضمن مشروع سياسي وأمني أكبر تديره أبوظبي في اليمن. إذا كان هروبه تم بهذه الرعاية، فكيف كانت قراراته العسكرية والسياسية السابقة؟ الجواب واضح: كل تحركاته جاءت ضمن استراتيجية إماراتية تهدف لترسيخ نفوذها في الجنوب وتقويض الدولة اليمنية عبر بناء مليشيات موازية للمؤسسات الشرعية، وإعادة تشكيل الخريطة السياسية لصالح نفوذها طويل الأمد.

أرض الصومال: البعد المخفي في العملية

اختيار أرض الصومال كمحطة عبور لا يمكن اعتباره صدفة. فهذه المنطقة المنفصلة عن الصومال تحظى باعتراف إسرائيلي وحيد، وتشكل موقعاً استراتيجياً يشرف على خليج عدن وباب المندب. استخدامها في العملية يشير إلى شبكة تنسيق غير معلنة بين أبوظبي وأرض الصومال، وإلى استغلال الفراغ القانوني هناك لتنفيذ مهام حساسة بعيداً عن الرقابة الدولية.
الأمر يرتبط بالمحور الإماراتي-الإسرائيلي المتنامي منذ اتفاقيات إبراهيم عام 2020 حيث بات للطرفين مصالح متقاطعة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. هروب الزبيدي عبر هذه المحطة يرمز إلى ارتباطه بمحور إقليمي يسعى للسيطرة على الممرات البحرية وتفكيك الدولة اليمنية لا لخدمة تطلعات الشعب اليمني الجنوبي.

القدرات الاستخباراتية السعودية
وحياد الرياض

تؤكد المعلومات التي نشرتها الصحيفة ما كانت الرياض تعلمه مسبقاً، إذ رصدت العملية بمراحلها كافة، ما يعكس قدرات استخباراتية متقدمة. لكنها لم تتدخل لإحباطها، وهو ما يؤكد حيادها في الصراع السياسي المحلي.
اللجوء إلى عملية هروب بهذا التعقيد يُعدّ اعترافاً غير مباشر بالذنب. فلو كان الزبيدي واثقاً من براءته، لما لجأ إلى هذا الأسلوب. الاتهامات الموجّهة إليه – من فساد مالي وتشكيل مليشيات متمردة إلى السيطرة على مؤسسات الدولة والانقلاب على الشرعية – تشكل جرائم خطيرة في القانون اليمني تصل إلى حد الخيانة العظمى. الهروب يُسقط عنه أي افتراض بالبراءة، ويؤكد وعيه بخطورة تهمه.
الزبيدي الذي كان يقدّم نفسه ممثلاً للقضية الجنوبية فقد بقراره هذا شرعيته السياسية والأخلاقية، وأصبح لاجئاً محمياً في أبوظبي، خاضعاً لإرادة داعميه أكثر من أي وقت مضى.

القضية الجنوبية بين الاختطاف والتوظيف الإستخباراتي

القضية الجنوبية، التي كانت مطلباً شعبياً أصيلاً يستند إلى معاناة واقعية، تحولت على يد الزبيدي ومن يقف ورائه إلى ورقة في محور إقليمي. الإمارات وإسرائيل وظفتاها ضمن مشروع يهدف إلى خلق كيان جنوبي هشّ يخدم مصالحهما في البحر الأحمر وباب المندب. بذلك اختُطفت القضية من محيطها الوطني لتصبح أداة في لعبة السيطرة على الممرات البحرية وتقويض وحدة اليمن ومستقبل دولته.
الشعب الجنوبي اليوم أمام مفترق تاريخي: استعادة قضيته من أيدي المرتزقة الذين رهنوها للأجندات الخارجية، أو تركها تُستخدم غطاءً لمشاريع تقسيم وتبعية تُهدد الأمن اليمني والعربي برمته، وتجعل من الجنوب ساحة مفتوحة للوصاية الأجنبية والاسرائيلية.