تفجير شكري.. إرهاب بأصابع إماراتية
لم يكن ما تعرّض له القيادي في قوات العمالقة حمدي شكري حادثًا عابرًا، ولا واقعة أمنية معزولة يمكن فصلها عن السياق العام لما تشهده العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بل يأتي ضمن مخطط واضح المعالم تقوده حكومة أبوظبي عبر أذرعها المحلية، وعلى رأسها عصابات الفار عيدروس الزبيدي ومليشيا المجلس الانتقالي المنحل، والمتمثّلة بالأحزمة الأمنية وغيرها، والتي تهدف إلى إعادة إنتاج الفوضى ونشر الإرهاب المنظّم.
ومن المؤكد أن طريقة التنفيذ، وتوقيت الاستهداف، وطبيعة الشخصية المستهدفة، جميعها مؤشرات لا تترك مجالًا للشك في أن ما جرى محاولة اغتيال مدبّرة بعناية، تستهدف أحد القيادات العسكرية التي تمثّل مشروع الدولة والجيش اليمني العظيم والقوي، في مقابل مشروع المليشيا والفوضى.
خصوصًا أن حمدي شكري ليس اسماً عادياً في المعادلة، بل قيادي في قوات العمالقة، ويلعب حالياً دوراً محورياً في إعادة ترتيب الوضع الأمني بالتنسيق مع تحالف دعم الشرعية، فضلًا عن أدواره النضالية ضد الحوثي في جبهات البطولة والوغى.
كل الدلائل والفيديوهات المسجّلة لعصابات الفار عيدروس الزبيدي منذ أكثر من أربع سنوات وحتى اليوم، فضلًا عن تغريدات الإماراتيين وتصريحاتهم، تبيّن أن شكري أولًا في رأس حربتهم، وثانياً أن الوضع الأمني في كل المحافظات الجنوبية والشرقية لليمن هو الهدف الحقيقي معتقدين بهذا العمل الإرهابي يمكن أن تفشلون جهود السعودية في تثيبت الأمن وحماية مصالح الشعب اليمني.
ولا أخفيكم أن حكومة أبوظبي هي من أوصلت الحوثي إلى صنعاء، تحت مبررات وأهداف لا تزال حتى اليوم تتغنّى بها، وفي مقدّمتها ما تسميه «محاربة الإخوان»، في حين أن هدفها الرئيسي كان ولا يزال محاربة ميناء عدن واليمن على وجه العموم، ومنع أي نهوض لهذا البلد الذي يقع على مثلث التجارة القديم، أو على طريق «الحرير الجديد»، وهو ما سينعكس سلباً على ميناء جبل علي في حال نهضت اليمن.
وقد ظلت هذه الدويلة طوال السنوات الماضية تعمل على إفشال أي خطط عسكرية لتحرير صنعاء أو الحديدة، تارة باستهداف معسكرات الجيش الوطني في العبر ونهم ومثلث العلم ومبنى بمدينة الحديدة، فضلاً عن تسليم سفينة بكامل عتادها وعدّتها للحوثي في البحر الأحمر، ثم الزعم بأنه جرى الاستيلاء عليها، ناهيك عن جرائم التعذيب بحق المدنيين في حضرموت وعدن وغيرها، في مساعٍ واضحة لجعل اليمن دولة صراعات وفوضى وعنف وإرهاب، لا يمكن أن تنهض ولا أن تستعيد عافيتها.
وظلت الإمارات تقدّم الفتات للعصابات لتنفيذ جرائم الاغتيالات، وتعمل على توليد عصابات وجماعات مسلحة خارج إطار الدولة والنظام والقانون، كما سعت جاهدة إلى توفير الدعم للحوثي بكل السبل، حتى إن مدرعات إماراتية جرى تسليمها عبر مسلحين من الضالع للحوثي، وقد عرض الأخير عددًا منها في ميدان التحرير قبل سنوات.
كل المعطيات كانت تؤكد أن الإمارات تريد أن تُشعر المواطن اليمني بأن عليه البقاء في مناطق الحوثي، فلا أمن ولا أمان في مناطق الشرعية (المناطق المحررة).
كما يمكنني تذكيركم بما جرى في ميناء عدن، حيث أُغرقت سفن بشكل متعمّد لتعطيل الميناء وإخراجه عن الخدمة، في جريمة موثّقة هدفت إلى ضرب أحد أهم الشرايين الاقتصادية لليمن، خدمة لموانئ بديلة تخضع للسيطرة الإماراتية.
أتدرون يا أبناء محافظة عدن أن ميناءكم لو اشتغل بشكل صحيح يمكنه دفع مرتبات كل أبناء اليمن، فضلًا عن توظيف نصف مليون شخص فيه؟. إنه ثروة قائمة بذاتها، لكنكم لا تدرون من يهمّه فعليًا مصلحتكم، ولا تعلمون أن هذه الدويلة عطّلت أهم شريان كان كفيلًا بانتشالكم من الفقر إلى الغنى والرخاء والازدهار.
أنتم في أهم بقعة في الجزيرة العربية، مثلث يربط بين آسيا وأفريقيا وخطوط التجارة العالمية، فالسفينة التي لا تريد تفريغ حمولتها ستتوقف في مينائكم للتزوّد بالوقود، وتدفع رسوم التوقّف.
لنعود إلى موضوعنا؛ فمنذ فشل المشروع الإماراتي في فرض هيمنته الكاملة على عدن، وبعد انكشاف أدوارها التخريبية، انتقلت أبوظبي، كعادتها، إلى استخدام ورقة الإرهاب، في محاولة لإرسال رسالة للعالم مفادها أن «انسحاب الإمارات» يعني الفوضى، وأن عدن والمحافظات المحررة لا يمكن أن تُدار إلا عبر أدواتها ومليشياتها.
وليس هذا التحليل وليد اللحظة، بل تؤكده حملة منظّمة على مواقع التواصل الاجتماعي، قادها مغردون إماراتيون خلال الساعات الماضية، بشّروا فيها صراحة بعودة الإرهاب إلى عدن وحضرموت، في خطاب تحريضي فجّ، يعكس معرفة مسبقة بما يجري، ويكشف العقلية التي تتعامل مع دماء اليمنيين كورقة ضغط سياسي.
الأمر الآخر أن الفار عيدروس الزبيدي لم يكن مجرد قائد مليشيا محلية، بل أداة تنفيذية لمشروع إماراتي يستهدف تفكيك اليمن، وإضعاف مؤسسات الدولة، وضرب أي قوة عسكرية وطنية مستقلة.
فالمليشيات التابعة له هي ذاتها التي وفّرت الغطاء الأمني لعناصر متطرفة في عدن، واحتضنت خلايا مشبوهة، وسهّلت عمليات الاغتيال والتفجيرات، في مشهد يعيد إلى الأذهان سنوات الفوضى السوداء.
ما حدث اليوم من محاولة اغتيال لحمدي شكري ليس سوى حلقة جديدة في سجل طويل من الجرائم الإماراتية في اليمن، بدءًا من إنشاء السجون السرية وارتكاب الانتهاكات الجسيمة، مرورًا بدعم المليشيات، وصولًا إلى العبث بالاقتصاد اليمني ونهب الثروات السيادية.
إن ما يجري اليوم في عدن ليس صراع نفوذ عابرًا، بل محاولة ممنهجة لإفشال أي حالة استقرار، ومنع عودة مؤسسات الدولة، وإبقاء الجنوب اليمني رهينة للفوضى والسلاح المنفلت.
إن استهداف قيادات وطنية بحجم حمدي شكري يؤكد أن الإمارات، عبر أدواتها، اختارت طريق الإرهاب عندما فشلت في فرض مشروعها بالقوة العسكرية.
ولذا فإن محاولة اغتيال حمدي شكري تمثّل جرس إنذار خطيرًا، ليس لليمنيين فحسب، بل للمجتمع الدولي، الذي يجب أن يدرك أن الإرهاب في عدن ليس نتاج فراغ، بل نتيجة مباشرة لمخططات إماراتية وأدوات محلية معروفة بالاسم.
خلاصة القول: علينا الإسراع في توحيد الجيش تحت قيادة واحدة، وإعادة ترتيب الألوية العسكرية بعقيدة قتالية وطنية، ودعم عودة الدولة بكل مؤسساتها إلى عدن لممارسة مهامها.
إن تعزيز وجود الدولة، ودعم مؤسساتها، والضرب بيد من حديد لكل من تسوّل له نفسه استهداف أمننا القومي، هو الكفيل بقطع يد المليشيات، وإسقاط مشاريعها، ووضع حد لاستخدام الإرهاب كسلاح سياسي رخيص على حساب دماء اليمنيين والخطوة الأولى للنهوض بالبلاد وإخراجها من دوامة الصراعات إلى الاستقرار والتنمية.
