حول عزل دولة رئيس الوزراء الاستاذ سالم بن بريك
لم يعد المشهد اليمني اليوم مشهدًا عابرًا يمكن قراءته بأدوات الأمس؛ فثمة إعادة صياغة استراتيجية تُجريها المملكة العربية السعودية في الملف اليمني، وبالأخص في هندسة الحل الجنوبي، بما يمنح الدولة اليمنية فرصة تاريخية لاستعادة وحدانية القرار والسيادة وشرعية المؤسسات.
هذا التحول الإقليمي الكبير كشف، دون تجميل، من كان ثابتًا مع الدولة، ومن كان يقيس مواقفه بميزان القوة لا بميزان الحق.
لقد رأينا اليوم أصواتًا كانت صامتة بالأمس، لا حين كانت الدولة تُستباح، والمؤسسات تُقوض، والسلاح يُفرض كأمر واقع خارج الشرعية، بل حين نطقت الرياض وحددت وجهة المرحلة.
وهذا الصمت كما بات واضحًا لم يكن موقفًا محايدًا، بل انتظارًا محسوبًا لإشارة الخارج وعندما تحدثت المملكة، تغيرت الخطابات فجأة، ليس دفاعًا عن الدولة، بل خوفًا من تبدّل الاتجاه.
والحقيقة أن هذه الوجوه الناعمة لم تكن غائبة عن المشهد، بل كانت تعمل في الظل، تبرّر وتلمّع وتسوّق للوقائع المفروضة بالقوة تحت عناوين “خصوصية المرحلة” و“التهدئة” و“الواقعية السياسية”. لكنها كلها كانت عناوين للهروب من واجب حماية الدولة. فالدولة لا تُحمى بالبيانات المتأخرة، ولا بالمواقف الرمادية، ولا بالظهور عندما تتضح البوصلة، بل عندما تكون الكلفة أعلى وأصعب.
اليوم جاء بيان المملكة ليعيد ترتيب المشهد اليمني، ويؤسس لمسار جنوبي جديد، يقوم على:
•اعتبار القضية الجنوبية قضية سياسية عادلة تُحل بالحوار، لا بالسلاح.
•إقصاء الفصائل المسلحة من التأثير على القرار الوطني.
•إعادة دمج الجنوب في مشروع الدولة لا مشروع المليشيات.
•تعزيز سيادة المؤسسات ورفض صناعة كيانات موازية.
هذا الدور السعودي لم يُعد فقط تعريف القضية الجنوبية، بل أعاد تعريف مَن هو مع الدولة ومن هو ضدها، ومن يقف مع الشرعية ومن يختبر اتجاه الريح قبل اتخاذ الموقف.
وفي هذا السياق، تأتي إقالة الدكتور سالم بن بريك من رئاسة الوزراء كجزء من إعادة ترتيب البيت الداخلي للدولة، وبناء سلطة تنفيذية متناغمة مع التحول الإقليمي ومع مسار الحل الجنوبي الجديد. فبحسب مصادر متعددة، لم تكن الإقالة قرارًا إداريًا، بل نتيجة طبيعية لجملة من الإخفاقات السياسية والمواقف الرمادية، أبرزها:
1.التموضع المحايد إزاء اقتحام قوات المجلس الانتقالي لمحافظتي حضرموت والمهرة، وكأن الأمر لا يعني الحكومة.
2.استمرار التواصل غير المنسق مع عيدروس الزبيدي، وتقديم تسهيلات له دون علم المجلس الرئاسي.
3.رفض حضور اجتماعات مجلس الدفاع الوطني في لحظات كانت الدولة فيها بحاجة إلى موقف واضح.
4.التخلف عن الإيقاع السياسي للمجلس الرئاسي في فترة حساسة.
5.عدم تنفيذ قرارات سيادية صادرة عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي.
6.رفض إصدار بيان حكومي ضد تجاوزات الانتقالي، بل والتهديد بنفيه.
هذه السلوكيات لم تكن مجرد أخطاء، بل تعارضًا مع مسار الدولة الجديدة الذي تقوده الشرعية وبدعم كامل من المملكة.
إن الدور السعودي اليوم ليس مجرد مسعى توفيقي، بل هندسة سياسية كاملة لإعادة ضبط المشهد الجنوبي، ونزع سلاح الفصائل، واستعادة مكانة الدولة وهو دور يُلزم كل المسؤولين باختيار واضح:
إما أن يكونوا جزءًا من الدولة… أو جزءًا من المشكلة.
ولذلك فإن اللحظة الراهنة ليست لحظة رمادية ولا قابلة للمجاملة. فمن يقف متفرجًا بينما تُغتال الدولة، شريك في النتيجة ولو ادّعى غير ذلك. ومن يلتزم الصمت حين تُنتهك السيادة، لا يملك حقّ الحديث عنها بعد صدور البيانات.
اليوم المطلوب موقف واحد الالتفاف حول الدولة، وحول فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، وحول وحدة القرار الوطني، وحول الحل الجنوبي الذي ترعاه المملكة العربية السعودية بوصفه المسار الوحيد المشروع.
في زمن المليشيات والانقلابات الصمت خيانة، والتبرير خيانة، والمجاملة خيانة.
إما دولة تُحترم… أو فوضى تُشرعن والاختيار اليوم كما كشفته الرياض مسؤولية كل من يتصدر المشهد.
