1200 كيلومتر من الحقيقة: فلسفة البناء السعودي في اليمن
المشهد اليمني اليوم يكشف حقيقة صادمة في بساطتها: عندما سحبت دولة ( شقيقة) هداياها الطبية من مستشفيات شبوه والمخا بعد طردها من البلاد، تدخلت السعودية بسرعة لملء الفراغ. ليس الأمر مجرد استبدال جهة مانحة بأخرى، بل هو تعرية كاملة للفرق الجوهري بين من يتعامل مع اليمن كمشروع سياسي. ومن يتعامل معه كقدر استراتيجي لا مفر منه.
سحب المعدات الطبية من مستشفيات تخدم مرضى لا ذنب لهم في الصراعات السياسية ليس قراراً إدارياً - إنه انتقام ممنهج يكشف طبيعة المشروع (الشقيق) في اليمن منذ البداية. لم يكن هذا الدعم إنسانياً، بل كان استثماراً في النفوذ: السيطرة على الموانئ، السواحل، الجزر الاستراتيجية. عندما انتهت العائدات السياسية وفشل المشروع، تم سحب الاستثمار بقسوة بالغة. هذا هو منطق القوة التي تبحث عن موطئ قدم - عندما تفشل، تغادر، لأن اليمن بالنسبة لها كان خياراً وليس ضرورة.
السعودية لا تملك رفاهية هذا الخيار. 1200 كيلومتر من الحدود المشتركة تعني أن الأمن السعودي مرتبط عضوياً بالاستقرار اليمني، وأن أي فوضى في صنعاء أو عدن ستصل حتماً إلى الرياض. لذا فالتدخل السريع لتعويض خروج الآخرين ضرورة استراتيجية يتم تنفيذها بمسؤولية وثبات يفضح كل من حولها.
الأهم من سرعة التدخل السعودي هو السياق التاريخي الذي يجب وضعه أمام الأعين: السعودية بنت مستشفى حجة ومستشفى السلام في صعدة - معاقل الحوثيين. خصومها المباشرين في الحرب - ثم استمرت في تمويلها حتى بعد سيطرة الحوثيين عليها. هذا يعني أن المملكة تمول مستشفيات يديرها من تحاربه، وهو فعل يكشف فهماً عميقاً لحقيقة أن الصراع السياسي شيء والشعب اليمني شيء آخر تماماً. السعودية فصلت بين الموقف السياسي والواجب الإنساني بطريقة لم يستطع الآخرون- ولن يستطيعوا أبداً - استيعابها. لأنهم لم يفعلوا ذلك من قبل: كل دعمهم كان موجهاً لمناطق نفوذهم، لحلفائهم، للمناطق التي تخدم مصالحهم المباشرة فقط.
الدعم التنموي الذي أعلنه وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بقيمة 1.9 مليار ريال يشمل 28 مشروعاً جديداً في الصحة والطاقة والتعليم، إضافة إلى 27 مشروعاً قيد التنفيذ ستُسلم خلال عام 2026-2027، لتنضم إلى 240 مشروعاً مكتملاً منذ تأسيس البرنامج السعودي للتنمية والإعمار عام 2018. هذه ليست أرقام دعائية، بل التزامات ملموسة على الأرض في عدن وحضرموت والمهرة وسقطرى ومأرب وشبوة وأبين والضالع ولحج وتعز. المستشفيات تعمل. المدارس تفتح. الكهرباء تصل - بثبات يفضح تقلب الآخرين.
الفرق الجوهري بين الموقفين ليس أخلاقياً فحسب - إنه جغرافي واستراتيجي بالأساس. هم تجرأو على سحب أجهزتهم الطبية ، لأنهم جاءوا من وراء البحر ويمكنهم العودة إليه. السعودية لا تستطيع التملص. لأن الجغرافيا والتاريخ والمصلحة الاستراتيجية تحتم عليها البقاء. اليمن ليس “ملفاً” يمكن إغلاقه بالنسبة للسعودية - إنه الجار الذي لا يمكن تغييره، الحدود التي لا يمكن نقلها، التاريخ المشترك الذي لا يمكن محوه.
الدرس القاسي الذي تعلمه اليمن بثمن باهظ هو أن الحليف الذي يشاركك الحدود لا يملك خيار الترك والرحيل، بينما الحليف الذي يأتي من وراء البحر سيعود إليه حتماً عندما تنتهي مصالحه. والنتيجة النهائية التي لا جدال فيها: ان السعودية أثبتت أنها الشريك الوحيد المحكوم بالبقاء والبناء، ليس لأنها لا تريد المغادرة، بل لأنها لا تستطيع. وهذا بالضبط ما يجعلها الشريك الأكثر موثوقية على المدى الطويل.
الحقيقة المرة التي يجب أن يعترف بها اليمنيون: لم يكسبوا حليفاً مثالياً في السعودية، بل كسبوا حليفاً محكوماً بالمصير المشترك. وأحياناً في عالم لا يعترف بالمثالية ولا يكافئ النوايا الحسنة، هذا هو أفضل ما يمكن الحصول عليه - شريك لا يستطيع الهروب من مسؤولياته لأن الجغرافيا لا تكذب، والحدود لا تتحرك، والجيرة قدر لا خيار فيه.
لا يمنح القدر الجغرافي المزايا فقط، بل يفرض الالتزامات. واليمن بالنسبة للسعودية ليس ملفًا على طاولة السياسة، بل بابًا على الذات. هناك تُختبر جدية الدولة في فهم موقعها، وهناك تتكوّن حدود أخلاق القوة. الجغرافيا لا تكذب، والحدود لا تُبدّل، والجيرة قدرٌ يصنع المعنى قبل أن يصنع السياسة.
