«أورشليم الخليج»
ليس أخطر على الأمة من عدوٍ يواجهك ، بل من عدوٍ يتكلم لغتك ، ويتحرك باسمك ، ويطعن الجغرافيا من داخلها . فهنا لا نتحدث عن تطبيعٍ عابر ، ولا عن براغماتية سياسية ، بل عن تحوّل وجودي: كيانٌ عربي يتقمّص الدور الإسرائيلي، لا بوصفه حليفًا له ، بل بوصفه نسخته الوظيفية ، والمرعب استنساخها بأيدٍ عربية ، وبخطاب عربي ، وبتموضع جغرافي عربي .
هنا تبلغ المفارقة ذروتها:
حين لا يعود الاستعمار بحاجة إلى جندي ، لأن العقل قد أُعيدت هندسته . وحين لا يعود العدو خارجيًا ، لأن الوظيفة قد هاجرت إلى الداخل .
إن «أورشليم الخليج» ليست مكانًا ، بل عقيدة سياسية: عقيدة ترى في تفكيك الدول فضيلة ،
وفي إدارة الفوضى حنكة ، وفي ضرب الاستقرار بطولة ، وفي خدمة المشروع الصهيوني “حسن تدبير” .
وهذا ما يستدعي الاستنكار العميق:
كيف ينقلب العربي من حامل قضية إلى أداة لإلغاء القضايا؟ ، وكيف تتحول السيادة من قيمة إلى عائق ، وتصبح الدولة عبئًا يجب إضعافه لا بناؤه؟
إن أخطر ما في هذا المسار أنه يُربك البوصلة
ويشوّش تعريف العدو
ويجعل المقاومة تهمة
والخيانة سياسة
والتبعية «رؤية مستقبلية» .
لكن التاريخ ، في لحظاته الفاصلة ، لا يحاسب النوايا بل الوظائف . ولا يسأل عمّن رفع الشعار ، بل عمّن خدم المشروع . وسيكتب بوضوحٍ لا لبس فيه: أن أخطر مراحل الصراع لم تكن حين واجه العرب إسرائيل ، بل حين صُنعت إسرائيل أخرى بأيدٍ عربية .
