المشهد اليمني

اليوم التالي لـ (عيدروس)

الأربعاء 7 يناير 2026 02:22 مـ 19 رجب 1447 هـ
اليوم التالي لـ (عيدروس)

لم يكن يدرك عيدروس الزبيدي أن (مَسير) قواته من عدن إلى حضرموت سيكون موكب تشييع لمشروعه الانفصالي؛ لأن في لحظة الكِبر، يضربُ السرابُ طريقاً معبداً إلى الهاوية والسقوط.

حينما حاول عباس بن فرناس الطيران، أراد أن يُحاكي الطيور التي كانت تحلق في جمال الأندلس الخلاب. استهوت الفكرةُ "عباس" ففكر طويلاً ولاحظ الآليات الظاهرة للطيور التي تمكنها من الطيران؛ أسرع وصنع جناحين وارتقى مكاناً عالياً، ولم تمضِ لحظات حتى سقط، فثمة آلية ظاهرة لم يدركها عاشق الطيران الأول، وهي (الذيل).

عيدروس أراد الطيران وصار له جناحان: جناح في الساحل الغربي، وجناح آخر ممتد من "المعاشيق" إلى السهول الشرقية في الصحراء. طار بهما منتشياً، ولكن فُقد الاتصال به مساء البارحة 6/1/2026م. سقط عيدروس، ليس لأنه لم يملك ذيلاً للطيران، وإنما لأنه ارتضى أن يكون "ذيلًا" بذاته، لكنه ذيلٌ ليس لطائر، وإنما لأخطبوط رأسه في "أبو ظبي" وذيوله متعددة في الساحل والصحراء والسودان وليبيا وغيرها.. إنها ذيولٌ بطبيعتها ووظائفها.

اليمن جغرافيا ممتدة ومُغرية، وتاريخ زاخر بالمجد، وشعوب متعاقبة تتوارث الحكمة والقوة والبأس الشديد. لم تفكر يوماً بتمزيق الجغرافيا ولا أن تُضيع أمجادها، خَلا من "طارئين" يسعون فيها فساداً، وسرعان ما يتلاشى هؤلاء الطارئون وتبقى الجغرافيا شاهدة على مصارعهم، والتاريخ يحكي سقوطهم. يبقى اليمن اسماً ورسماً، حضارةً وحاضراً في أي عهود ومواثيق سياسية للحكم والسلطة.

عبثاً حاول عيدروس ومَلؤُه الالتفاف على تلك المقومات لصالح ذواتهم التي حُقِنت بشهوة "التكويش والاحتواء"، وصُوِّرت متجردة من وطنيتها وأخلاقها وهي تتماهى مع رغبات الآخرين أمام مرايا "خلفان وطحنون".. ومرة أخرى، تنتصر اليمن ومقوماتها على أولئك العراة.

حمقى بعض أولئك الذين يظنون أن (دفعُ الله) كان تأييداً إلهياً لهم في معركة "تحرير الجغرافيا" وحماية الوحدة وعودة الدولة. الإيمان ليس حكراً على فئة، والمؤمنون ليسوا مؤطرين بإطار حركة أو حزب، فـ(أهل اليمن أرقّ قلوباً وألينُ أفئدة، والإيمان يمانٍ والحكمة يمانية والفقه يمان). ولولا أن "درع الوطن" لم يسعف عيدروس، لأوعز إلى "مُفتيه" الذي أفتى بقتل الأبرياء من أبناء المحافظات الشمالية أن يأتي بحديث: (الإيمان والحكمة والفقه جنوب عربي..). إن الله يدافع عن اليمن واليمنيين على اختلاف درجات إيمانهم، ولأنهم ظُلموا من "الانتقالي" ويظلمون من "الحوثي" وشرعيتهم وأحزابهم.. وهو على نصرهم لقدير.

هذه التحركات العسكرية والسياسية التي تصدرتها المملكة، والتي (صبّحت) عيدروس بعذاب، وإن كانت ستتوقف عنده ولا تتجاوزه، إلا أنها ستُصبِّح آخرين شركاء له أو غيرهم، سواء بدعم الشقيقة أو بغيرها. فعلى شركاء الحكم والسلطة أن يدركوا أنهم (أُسّ) المشكلة وأساس حلها، وألّوِ استقاموا لاستقام الخارج معهم، ولكنهم رضوا أن يكونوا مع أطماعهم ومصالحهم. إن إلقاء اللوم على "المؤامرة" هو هروب من المسؤولية، والتعلل بتدخل الخارج مغالطة ونكثٌ للعهد الجمهوري واليمين الدستورية.