باب المندب كمعبر استراتيجي في يد اليمن.. كيف يُدار النفوذ دون إغلاق فعلي وما علاقة إسرائيل؟
في إدارة الممرات الاستراتيجية، لا يشترط دائمًا استخدام القوة المباشرة أو الإعلان عن السيطرة، وأحيانًا، يكفي وجود منظم ومدروس على نقاط محددة، ليصبح العبور خاضعًا للحسابات السياسية والأمنية، وهذا المنطق ينطبق على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي شهد خلال الفترة الأخيرة تحركات متزامنة على جانبيه أثارت تساؤلات واسعة حول مستقبل الأمن الملاحي في المنطقة.
الضلع الأول جنوب اليمن
في جنوب اليمن، برز المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يطالب بإقامة دولة مستقلة، كلاعب أساسي في المعادلة، ووفق تحليلات سياسية متداولة، سعى المجلس إلى حشد دعم خارجي لقضيته، من خلال طرح معادلة تقوم على الاعتراف السياسي مقابل شراكات أمنية ودبلوماسية.
ويتضح جليًا أن هذه الطروحات، في حال تطورها، قد تفتح المجال أمام وجود أمني أو لوجستي في موانئ استراتيجية مطلة على البحر العربي وخليج عدن، ما يمنح الأطراف الداعمة نفوذًا مؤثرًا على الجانب الشرقي من مضيق باب المندب.
الضلع الثاني صوماليلاند
على الجانب المقابل من المضيق، عادت صوماليلاند إلى واجهة النقاش الإقليمي، والإقليم، الذي أعلن انفصاله عن الصومال منذ أكثر من ثلاثة عقود، يتمتع بموقع جغرافي بالغ الأهمية على الضفة الغربية لباب المندب.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تناولت تقارير وتحليلات خطوات دبلوماسية منفردة شملت اعترافًا سياسيًا وتفاهمات أمنية أولية، اعتبرها خبراء جزءًا من سعي أوسع لتعزيز الحضور في منطقة القرن الإفريقي.
ويؤكد مختصون أن أهمية صوماليلاند لا تنبع من ثقلها السياسي بقدر ما ترتبط بموقعها الجغرافي وتأثيره المباشر على حركة الملاحة.
معبر واحد… وحضور من الجانبين
وجود ترتيبات أمنية أو سياسية متزامنة على جانبي المضيق، حتى دون إعلان سيطرة رسمية، يخلق واقعًا جديدًا يجعل حركة العبور خاضعة للمتابعة الدقيقة والتوازنات الإقليمية.
ويشير خبراء أمن بحري إلى أن السيطرة الفعلية على الممرات لا تعني إغلاقها، بل القدرة على مراقبتها والتأثير في مساراتها عند الضرورة.
لماذا يهم ذلك الاقتصاد العالمي؟
يمر عبر باب المندب جزء كبير من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، وأي تغيير في معادلات الأمن أو الاستقرار في هذا الممر ينعكس سريعًا على أسعار النفط، تكاليف الشحن، وسلاسل الإمداد.
ويرى اقتصاديون أن التأثير النهائي لمثل هذه التحركات لا يقتصر على الدول المطلة، بل يمتد إلى المستهلكين في مختلف أنحاء العالم.
التباينات الخليجية ودورها في المشهد
تزامنت هذه التحركات مع تباينات واضحة في المواقف الخليجية تجاه الملف اليمني، فبينما تدعم أطراف إقليمية قوى بعينها على الأرض، اتخذت أطراف أخرى مواقف عسكرية مغايرة، ما يعكس غياب رؤية موحدة حول مستقبل الجنوب اليمني.
ويشير محللون إلى أن مثل هذه الانقسامات تفتح المجال أمام أطراف خارجية لتعزيز حضورها بهدوء، مستفيدة من حالة التباين الإقليمي.
الحوثيون والأمن البحري
في ظل تصاعد هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر، يرى خبراء أن أي وجود أمني منظم حول المضيق يهدف بالأساس إلى تقليص هامش الحركة، وتعزيز القدرة على الرصد المبكر والردع.
البعد المصري
تحظى تطورات باب المندب باهتمام خاص لدى مصر، نظرًا للارتباط المباشر بين أمن المضيق وحركة الملاحة في قناة السويس، ويؤكد مختصون أن أي اضطراب مستدام في باب المندب ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد المصري.
خلاصة تحليلية
ما يجري في باب المندب لا يشبه سيناريو الإغلاق العسكري المباشر، ولا يعكس حربًا مفتوحة، بل هو نمط من إدارة النفوذ الهادئة، التي تعتمد على التمركز، وبناء الشراكات، واستغلال الفراغات السياسية، ويرى محللون أن من يملك القدرة على التأثير في الممرات الاستراتيجية، يمتلك بالضرورة أوراق ضغط مؤثرة في النظام الدولي، حتى دون إطلاق رصاصة واحدة.
