المشهد اليمني

من الفاشر إلى حضرموت: تحولات القوة وضبط الفوضى

الإثنين 29 ديسمبر 2025 02:29 مـ 10 رجب 1447 هـ
من الفاشر إلى حضرموت: تحولات القوة وضبط الفوضى

لم يكن سقوط الفاشر مجرد تطور عسكري في حرب سودانية ممتدة، كما لم تكن تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في شرق حضرموت حدثاً محلياً عابراً في السياق اليمني. ما يجمع بين الحدثين، رغم تباعد الجغرافيا، أنهما يعكسان منطقاً واحداً يتكرر في أطراف الإقليم: تحويل المساحات الواسعة والغنية إلى ساحات سيطرة، وتحويل "القضية" إلى أداة تعبئة، في لحظة يتراجع فيها حضور الدولة ويتآكل مركز القرار.

لم تسقط الفاشر لأنها مدينة محاصرة فحسب، بل لأنها عقدة مكانية ورمزية في إقليم دارفور؛ مساحة مفتوحة، وموارد، وطرق إمداد، وقضية تاريخية حقيقية جرى تحميلها بمنطق السلاح بدل السياسة. وعلى نحوٍ موازٍ، تُستعاد حضرموت اليوم بوصفها إقليماً واسعاً ذا ثقل اقتصادي وأمني، تُستدعى خصوصياته ومظالمه المحلية لتغليف مشروع فرض أمر واقع، يتجاوز الدولة بدل معالجة اختلالاتها.

هذا التشابه ليس مصادفة جغرافية، بل بنيوياً. فكلتا المنطقتين تجمعان بين اتساع المساحة وصعوبة الضبط، وبين ثروة تجعل السيطرة عليهما مغرية، وموقع أمني يجعل أي انفلات فيهما شأناً إقليمياً لا محلياً. والأهم أن كليهما يحمل "قضية" قابلة للتسييس: قضية دارفور في السودان، وخصوصيات حضرموت في اليمن. وفي الحالتين، تتحول القضية من مطلب عدالة أو شراكة إلى غطاء لسلطة مسلحة بلا أفق سياسي.

في خلفية هذا المشهد، بدأت تحولات القوة تظهر بوصفها ممارسة سياسية ملموسة. فقد شكّل البيان الصادر عن السعودية بشأن ما جرى في شرق اليمن لحظة فاصلة، أعاد فيها توصيف التحركات باعتبارها خروجاً عن منطق التوافق اليمني، وإضراراً مباشراً بالاستقرار والمصالح الإقليمية. ولم تكمن أهمية البيان في لغته فقط، بل في كونه إعلاناً عن انتقال من سياسة الاحتواء الصامت إلى سياسة ضبط الإيقاع، حيث تُربط التحركات الميدانية بحسابات الأمن الإقليمي، لا بميزان القوة المحلي. وتبعت ذلك إشارات متقاربة من عواصم إقليمية أخرى، عكست إدراكاً بأن ما يجري لم يعد شأناً داخلياً قابلاً للتدوير السياسي.

وتتجاوز مخاطر هذا الانفلات حدود الفاعلين المحليين لتتحول إلى قلق أمني إقليمي شامل. فالنار التي تُشعل في الأطراف الواسعة لا تبقى محصورة فيها. ففي اليمن، يهدد انفلات شرق حضرموت الأمن القومي السعودي والعُماني، من حيث الحدود والممرات واستقرار جنوب الجزيرة العربية، بما يضع سلطنة عُمان أمام اختبار أمني مباشر. وفي السودان، لا يقتصر أثر الانفلات في دارفور على الداخل، بل يمتد ليشكّل تهديداً للأمن القومي المصري عبر موجات النزوح وتفكك الدولة على حدوده الجنوبية. وإلى جانب ذلك، تتراكم كلفة إنسانية باهظة من نزوح واسع، وتفكك اجتماعي، وتطبيع طويل الأمد مع العنف.

وفي هذا السياق، يبرز عامل مشترك في مساري الفاشر وشرق حضرموت، يتمثل في وحدة نمط الدعم الخارجي الذي يغذّي منطق السيطرة المسلحة، إذ تظهر دولة الإمارات العربية المتحدة في الحالتين بوصفها داعماً لفاعلين محليين مسلحين، ضمن مقاربة تقوم على تمكين القوة دون السياسة. هذا الدعم لا يُنتج نخباً سياسية أو مشاريع حكم، بل يفرز قيادات مليشياوية بلا خبرة سياسية أو تجربة مؤسسية، تعتمد على الولاء الشخصي واقتصاد الحرب، وتتعامل مع المجتمع باعتباره مجال سيطرة لا فضاء مواطنة.

ضمن هذا المشهد، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات لتحولات القوة. الأول يتمثل في تبلور تحالف وظيفي غير رسمي، يقوم على تنسيق أمني - سياسي يضبط الساحات الهشة، ويمنع فرض وقائع جديدة بالقوة. والثاني يفترض انتقال هذا التنسيق إلى مرحلة تفكيك التمردات المسلحة تدريجياً، عبر تجفيف الموارد ونزع الغطاء، بما يحوّل المليشيات إلى أعباء محلية قابلة للاحتواء أو التفكك. أما السيناريو الثالث، فيقوم على تعثر هذا المسار والدخول في مرحلة انتقالية طويلة، تُدار فيها الأزمات بمنطق المنع لا الحل، مع تجميد خطوط الصراع دون معالجة جذرية.

وخلاصة القول، إن ما يتكرر من الفاشر إلى حضرموت ليس مجرد تشابه أحداث، بل اختباراً لمعنى القوة ذاته. فالقوة لم تعد تُقاس بالقدرة على فرض الأمر الواقع، بل بالقدرة على منعه. ومن يحاول إدارة الأطراف الواسعة بمنطق المليشيا لا السياسة، قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه يصطدم بتحول إقليمي أعمق، حيث بات ضبط الفوضى، لا صناعتها، معيار النفوذ الجديد، وباتت الدولة -بكل هشاشتها- الخيار الأقل كلفة في عالم لم يعد يحتمل خرائط مكسورة إضافية.

*العربي الجديد