الإنتقالي من التمكن الى التمكين
قائمة المحتويات
• توطئة ....................................................................... 2
• السياق العام لنشأة المجلس الانتقالي الجنوبي ......................... 3
o البدايات الأولى والظروف الممهدة ...................................... 3
o الرئيس هادي ونشأة المجلس ............................................ 3
• نفوذ الانتقالي في مجلس القيادة الرئاسي ............................... 4
• مواقف القوى السياسية والاجتماعية من نشأة المجلس ............... 4
o موقف المؤتمر الشعبي العام وحزب الإصلاح ........................... 4
o تحليل موقف المؤتمر من أحداث حضرموت ............................ 5
• موقف التجمع اليمني للإصلاح من دعوة الانفصال .................... 7
• الأضرار التي أصابت الإصلاح حتى السيطرة على حضرموت ........ 8
• موقف السلفيين وعضو مجلس الرئاسة أبو زرعة المحرمي ......... 9
• موقف طارق صالح (المقاومة الوطنية) .............................. 9
• خطوات وتكتيكات المجلس الانتقالي للسيطرة ....................... 10
o أولاً: السيطرة على المحافظات الجنوبية (الميدان) .................. 10
o ثانياً: السيطرة على قرار الشرعية (السياسة) ........................ 11
o ثالثاً: استعراض القوة عبر وزراء الانتقالي في الحكومة ........... 12
• قدرة الانتقالي على إعلان الانفصال: النجاح والفشل ................. 13
• تداعيات إعلان الانفصال ................................................ 15
• تحليل معمق للسيناريوهات المستقبلية ................................ 16
o السيناريو الأول: الجمود وتكريس الأمر الواقع ..................... 16
o السيناريو الثاني: إعلان الانفصال والحرب الأهلية .................. 17
o السيناريو الثالث: التسوية السياسية والدولة الاتحادية .............. 18
o السيناريو الرابع: الانفصال الناعم (الطلاق بالتراضي) ............. 19
• خاتمة وتوصيات: كيف يمكن مواجهة المشروع؟ ................... 20
• قائمة المصادر والمراجع .............................................. 21
توطـــئة:
لم ينشأ المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه مشروعًا سياسيًا مكتمل الأركان، ولا كامتداد طبيعي لمسار دستوري أو توافق وطني، بل جاء نتاج لحظة اختلال عميقة في بنية الدولة اليمنية، ترافقت مع حرب شاملة، وانهيار مؤسسات، وتراجع قدرة الشرعية على إدارة المجالين الأمني والسياسي في المحافظات الجنوبية.. في تلك اللحظة لم يكن السؤال المطروح هو شرعية التمثيل.. بل من يملأ الفراغ ومن يفرض الأمر الواقع؟
في هذا السياق يمكن فهم المرحلة الأولى من صعود المجلس الانتقالي بوصفها مرحلة تمكُّن لا تمكين؛ تمكُّنٌ نشأ من ضعف الدولة أكثر مما نشأ من قوة ذاتية، ومن غياب القرار السيادي أكثر مما نشأ من تفويض شعبي جامع.. فقد استطاع المجلس مستندًا إلى تشكيلات أمنية خارج إطار الدولة، وخطاب سياسي قائم على المظلومية أن يفرض حضورًا فعليًا على الأرض دون أن يحوز في تلك المرحلة اعترافًا قانونيًا أو غطاءً سياسيًا رسميًا.
غير أن التحول الجوهري، والأكثر خطورة، لم يحدث مع هذا التمكُّن الأولي، بل مع الانتقال التدريجي إلى مرحلة التمكين وهي المرحلة التي لم يعد فيها المجلس الانتقالي مجرد فاعل خارج الشرعية بل أصبح طرفًا مُدرجًا داخلها، وشريكًا في مؤسساتها، وفاعلًا مؤثرًا في قراراتها، دون أن يتخلى في المقابل عن بنيته العسكرية المستقلة أو مشروعه السياسي القائم على فك الارتباط.
إن هذا التقرير ينطلق من فرضية أساسية مفادها أن الخلل لم يكن في ظهور المجلس الانتقالي بحد ذاته بقدر ما كان في المسار الذي حوّل حالة التمكُّن المؤقتة إلى تمكين سياسي مستدام عبر جملة من القرارات والتسويات والاختلالات في إدارة الصراع محليًا وإقليميًا فقد جرى التعامل مع المجلس بوصفه أزمة قابلة للاحتواء، لا بوصفه مشروعًا سياسيًا ذا مسار خاص وأهداف تتناقض في جوهرها مع مرجعية الشرعية ووحدة الدولة.
وعليه... لا يتعامل هذا التقرير مع المجلس الانتقالي كظاهرة معزولة أو كفاعل مستقل عن بيئته، بل يسعى إلى تفكيك السياق الذي سمح بتمكُّنه أولًا، ثم أسهم في تمكينه لاحقًا، مع تتبع أدوار الفاعلين المحليين والإقليميين، ومسؤولياتهم المباشرة وغير المباشرة، وصولًا إلى اللحظة الراهنة التي بات فيها المجلس يستخدم موقعه داخل بنية الشرعية نفسها لتكريس واقع سياسي وأمني مغاير لأسسها.
ويهدف التقرير، في مجمله، إلى تقديم قراءة واقعية غير دعائية، تساعد صانع القرار على التمييز بين معالجة نتائج الأزمة وإعادة إنتاج أسبابها، انطلاقًا من قناعة مفادها أن أي مقاربة لا تعيد الاعتبار لسلطة الدولة واحتكارها للقرار والسلاح، ستظل مقاربة مؤقتة مهما بدت تسوية أو مهدِّئة في ظاهرها.
السياق العام لنشأة المجلس الانتقالي الجنوبي
ظهر المجلس الانتقالي الجنوبي كفاعل رئيسي على الساحة اليمنية، حاملاً مشروعاً سياسياً يتمحور حول استعادة دولة الجنوب التي كانت قائمة قبل الوحدة مع الشمال عام 1990 م ، لفهم أبعاد هذا المجلس ودوره لا بد من تحليل الظروف التي أدت إلى تأسيسه والأهداف التي يسعى لتحقيقها وشبكة علاقاته المعقدة مع الأطراف المحلية والإقليمية.
البدايات الأولى والظروف الممهدة:
تعود جذور القضية الجنوبية إلى ما بعد حرب صيف 1994، وتنامت بشكل كبير مع انطلاق "الحراك الجنوبي" السلمي في عام 2007م الذي طالب بفك الارتباط وإنهاء ما اعتبره "تهميشاً" و"إقصاءً" سياسياً واقتصادياً ومع اندلاع الحرب في اليمن عام 2015 ضد الحوثيين بعد انقلابهم على الدولة في 21سبتمبر 2014م برزت المقاومة الجنوبية كقوة فاعلة على الأرض، خصوصاً في تحرير عدن والمحافظات المجاورة بدعم مباشر من التحالف العربي وتحديداً دولة الإمارات العربية المتحدة ،شكل هذا البروز العسكري والسياسي أرضية خصبة لتوحيد القوى الجنوبية تحت مظلة سياسية واحدة فبدأت الدعوات لإنشاء كيان سياسي جنوبي موحد في عام 2016 م من قبل اللواء عيدروس الزُبيدي الذي كان يشغل منصب محافظ عدن آنذاك.
الرئيس هادي ونشأة المجلس:
كان قرار الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي في 27 أبريل 2017م بإقالة محافظ عدن عيدروس الزُبيدي ووزير الدولة هاني بن بريك بمثابة الشرارة المباشرة التي عجلت بتأسيس المجلس.. اعتبرت القوى الجنوبية هذا القرار استهدافاً لها ومحاولة لتقويض نفوذها الذي اكتسبته على الأرض. رداً على ذلك شهدت عدن حشداً جماهيرياً كبيراً في 4 مايو 2017 م صدر عنه ما عُرف بـ "إعلان عدن التاريخي" الذي فوض الزُبيدي بتشكيل قيادة سياسية لإدارة وتمثيل الجنوب
وبالفعل في 11 مايو 2017 م أُعلِن رسمياً عن تأسيس "هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي" برئاسة عيدروس الزُبيدي الأمر الذي رفضه الرئيس هادي واعتبره غير شرعي ومخالفاً للمرجعيات القانونية
الأسباب المعلنة للتأسيس والدعم الإقليمي:
يدعي المجلس الانتقالي أن تأسيسه جاء استجابة لتطلعات شعب الجنوب في استعادة دولته وهويته، وتمثيل قضيته في المحافل الإقليمية والدولية ، ويؤكد المجلس على شراكته مع التحالف العربي في محاربة الحوثيين ومع المجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب.
لعب الدعم الإماراتي دوراً حاسماً في تمكين المجلس عسكرياً وسياسياً، حيث دعمت الإمارات تشكيل قوات "الحزام الأمني" و"النخبة الشبوانية والحضرمية" وغيرها من الوحدات العسكرية التي تُشكل الذراع العسكري للمجلس... هذا الدعم يُفسَّر في سياق (رؤية الإمارات) المناهضة للإسلام السياسي، وتحديداً حزب الإصلاح والذي تتهمه بجناح (الإخوان المسلمين) في اليمن وتعتبره أيضا خصماً رئيسياً
نفوذ الانتقالي في مجلس القيادة الرئاسي:
بعد تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022 ونقل صلاحيات الرئيس هادي إليه، انضم المجلس الانتقالي كعضو رئيسي، حيث أصبح رئيسه عيدروس الزُبيدي نائباً لرئيس مجلس القيادة ..وقد رأى البعض أن مشاركة الانتقالي في الحكومة ومجلس القيادة هي خطوة تكتيكية لتعزيز نفوذه من داخل بنية السلطة دون التخلي عن هدفه النهائي المتمثل في الانفصال وقد نجح المجلس بالفعل في زيادة نفوذه داخل مجلس القيادة الرئاسي
مواقف القوى السياسية والاجتماعية من نشأة المجلس الإنتقالي
أثار تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في مايو 2017 ردود فعل متباينة بشكل حاد بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية في اليمن، مما عكس حالة الاستقطاب والانقسام العميقة في الساحة اليمنية.
موقف أبرز مكونات الشرعية (المؤتمر الشعبي العام وحزب الإصلاح):
المؤتمر الشعبي العام:
كان موقف حزب المؤتمر الشعبي العام منقسماً وغير موحد، نتيجة الانقسامات الداخلية التي عانى منها الحزب بعد مقتل زعيمه علي عبد الله صالح في 2017م
جناح الشرعية: هذا الجناح الذي كان يمثله الرئيس هادي وأحمد عبيد بن دغر رفض تأسيس المجلس واعتبره كياناً غير شرعي يهدف إلى تمزيق البلاد
جناح أحمد علي عبد الله صالح: وهو المدعوم من الإمارات اتخذ موقفاً أكثرغموضاً وبراغماتية فقد دعا أحمد علي صالح مؤخراً إلى تجاوز الخلافات وتوحيد الصف لمواجهة الحوثيين، في دعوة تظهِر قلقاً من تفكك الدولة أكثر من كونها دعماً صريحاً لأي طرف ومع ذلك فإن العلاقة الوثيقة مع الإمارات الداعم الرئيسي للانتقالي جعلت هذا الجناح يتجنب الصدام المباشر مع المجلس .
جناح صنعاء (الموالي للحوثيين): أدان هذا الجناح من الحزب تحركات الانتقالي في المحافظات الجنوبية والشرقية، واعتبرها "مخططات تآمرية تستهدف تمزيق وتقسيم اليمن" بدعم خارجي مجدداً تمسكه بالوحدة اليمنية.
تحليل موقف المؤتمر الشعبي العام من أحداث حضرموت وتحركات الانتقالي:
يشهد موقف حزب المؤتمر الشعبي العام حالة من التعقيد والغموض، وهو ليس موقفاً موحداً بل يعكس حالة التشظي التي يعيشها الحزب منذ 2017م ، يمكن تحليل الموقف الحالي من خلال عدة زوايا:
الزاوية الأولى :الصمت الرسمي لقيادات المؤتمر: تكتيك أم عجز؟
الصمت الذي تلاحظه من القيادات العليا للمؤتمر الشعبي العام (الجناح المناهض للحوثيين) ليس وليد اللحظة، بل هو استراتيجية براغماتية فرضتها عدة عوامل:
1. التبعية للتحالف: يعتمد جناح المؤتمر في الشرعية بشكل كبير على الدعم السعودي والإماراتي ، وبما أن تحركات الانتقالي في حضرموت تحظى بغطاء ودعم إقليمي (بدرجات متفاوتة بين الرياض وأبوظبي) فإن أي موقف معارض صريح من قيادة المؤتمر سيضعها في صدام مباشر مع داعميها، وهو ما لا تستطيع تحمل تبعاته سياسياً ومالياً.
2. ضعف الموقف العسكري: على عكس الانتقالي أو طارق صالح، لا يمتلك جناح المؤتمر في الشرعية قوة عسكرية خاصة به ومنظمة على الأرض... هذا الضعف يجعله غير قادر على فرض أي أجندة بالقوة أو حتى حماية نفسه في حال دخوله في مواجهة مع فصيل مسلح قوي كالانتقالي.
3. الانقسام الداخلي: الحزب نفسه منقسم بين عدة ولاءات، هناك قيادات مؤتمرية في حضرموت وشبوة وأبين انضمت بالفعل إلى المجلس الانتقالي أو تحالفت معه...هذا الانقسام الداخلي يمنع الحزب من اتخاذ موقف موحد وقوي.
4. أولوية العداء للإصلاح: بالنسبة لبعض قيادات المؤتمر وخاصة تلك القريبة من الإمارات، فإنهم يرون العدو المشترك (حزب الإصلاح) يطغى على خطر المشروع الانفصالي وفي تحركات الانتقالي فرصة لتقويض آخر معاقل الإصلاح وانهاء نفوذه في الجنوب وبالتالي يفضلون الصمت أو حتى الدعم الضمني.
الزاوية الثانية :زيارة شخصيات مؤتمرية بارزة مثل سلطان البركاني (رئيس مجلس النواب) وبعض المحافظين المحسوبين على المؤتمر لعيدروس الزُبيدي
الزيارة في هذا التوقيت تحمل دلالات سياسية بالغة الأهمية:
• الاعتراف بالزُبيدي كرقم صعب: هذه الزيارات هي اعتراف ضمني بأن الزُبيدي لم يعد مجرد "زعيم فصيل متمرد"، بل هو نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، وشريك أساسي في السلطة، وقوة أمر واقع تسيطر على الأرض.. (البركاني بصفته رئيساً للسلطة التشريعية يتعامل معه من هذا المنطلق)
• محاولة احتواء الموقف: قد تُفسر هذه الزيارات على أنها محاولة من قبل هذه الشخصيات للعب دور الوسيط أو على الأقل فهم نوايا الانتقالي بشكل مباشر وتجنب الصدام الشامل... (إنها محاولة للتأقلم مع الواقع الجديد الذي يفرضه الانتقالي بالقوة بدلاً من مواجهته).
• رسالة للداخل والخارج: الزيارة تبعث برسالة مفادها أن هناك "توافقاً" داخل مجلس القيادة الرئاسي، حتى لو كان هذا التوافق شكلياً أو مفروضاً... هذا يخدم هدف التحالف في إظهار جبهة موحدة (على الأقل ظاهرياً) ويمنح غطاءً "شرعياً" لتحركات الانتقالي
الزاوية الثالثة: صمت النخبة الإعلامية للمؤتمر: انضباط أم قناعة؟
صمت أو حياد النخب الإعلامية المحسوبة على المؤتمر يمكن تفسيره كالتالي:
• التوجيهات السياسية: الإعلاميون المرتبطون بالأحزاب غالباً ما يتبعون الخط السياسي لقياداتهم ، الصمت الرسمي للقيادة ينعكس مباشرة على أداء النخب الإعلامية التي تتجنب الخوض في مواضيع قد تسبب حرجاً أو صداماً مع الحلفاء الإقليميين.
• التمويل: الكثير من هذه المنصات الإعلامية تعتمد على تمويل مرتبط بالتحالف وبالتالي لا يمكنها تبني خطاب يتعارض مع أجندة الممولين.
• تغير القناعات: بعض الإعلاميين المؤتمريين خاصة من الأجيال الشابة قد يكونون اقتنعوا بأن مشروع الوحدة بشكله القديم قد انتهى وأن الأولوية الآن هي لمواجهة الحوثيين والإصلاح حتى لو كان الثمن هو القبول الضمني بمشروع الانتقالي
خلاصة موقف المؤتمر الشعبي العام حالياً هو موقف الطرف الأضعف الذي يحاول التكيف مع واقع جديد يُفرض عليه ، قياداته تدرك أن أي مواجهة مع الانتقالي هي معركة خاسرة في ظل موازين القوى الحالية والدعم الإقليمي للانتقالي لذلك يختار المؤتمر الصمت والتعامل البراغماتي مع الأمر الواقع والتركيز على ما يعتقد أنها أولويات أهم (مواجهة الحوثي، الحفاظ على ما تبقى من نفوذ سياسي) حتى لو كان ذلك يعني غض الطرف عن تفكك الدولة الذي كان يوماً ما حاميها الأبرز، الزيارات واللقاءات هي محاولة للتطبيع مع هذا الواقع المرير وإعادة تعريف دور المؤتمر كشريك "صامت" أو "غير معارض" في معادلة السلطة الجديدة.
موقف التجمع اليمني للإصلاح من دعوة الانتقالي للانفصال
يعتبر موقف حزب الإصلاح موقفا رافضاً ومعارضاً بشدة لنشأة المجلس الانتقالي منذ اللحظة الأولى و يرى الإصلاح في المجلس مشروعاً انفصالياً يهدد وحدة اليمن ويقوض الشرعية التي يمثل الحزب أحد أركانها الأساسية ، معتبرا أن تحركات الانتقالي العسكرية خاصة في عدن وشبوة وحضرموت، هي "إجراءات أحادية" و"انقلاب" على مؤسسات الدولة تهدف إلى خلق سلطات موازية تخدم أجندة إقليمية (في إشارة إلى الإمارات) وتضعف الجبهة المناهضة للحوثيين... مؤخرا قياديون في الحزب وصفوا الخلاف مع الانتقالي بأنه "خلاف سياسي" حول المشاريع والرؤى بينما الخلاف مع الحوثيين "وجودي"
يستند موقف الإصلاح على الرفض القاطع والمبدئي لسعي الإنتقالي للانفصال إلى عدة أسس:
1. الأيديولوجية الوحدوية: يتبنى الحزب خطاباً سياسياً وإعلامياً يرتكز على مبدأ "وحدة اليمن" كأحد الثوابت الوطنية التي لا يمكن التنازل عنها ، ويرى في الوحدة مشروعاً استراتيجياً للدولة اليمنية.
2. الحفاظ على الشرعية: بصفته مكوناً رئيسياً في الحكومات الشرعية المتعاقبة، يرى الإصلاح أن دعوات الانفصال هي تقويض مباشر للشرعية المعترف بها دولياً، ولمرجعيات الحل السياسي (المبادرة الخليجية، مخرجات الحوار الوطني، قرارات مجلس الأمن).
3. التهديد الوجودي: يدرك الإصلاح أن قيام دولة جنوبية بقيادة الانتقالي الذي تأسس على خطاب مناهض للإصلاح يعني استئصال وجود الحزب بالكامل من الجنوب سياسياً واجتماعيا ونفوذ.
4. المصلحة الاستراتيجية: يرى الحزب أن تقسيم اليمن يضعف الدولة ككل ويصب في مصلحة المشروع الحوثي في الشمال والمشاريع الإقليمية التي تستهدف اليمن، ويعتقد أن قوة اليمن تكمن في وحدته.
لذلك يُصنِف الإصلاح مشروع الانتقالي على أنه "مشروع انقلابي" و"أداة إقليمية" (في إشارة للإمارات) تهدف إلى تمزيق اليمن وخدمة أجندات خارجية ويضعه في خانة الخطر الذي يوازي خطر المشروع الحوثي، وإن اختلف معه في طبيعته.
الأضرار التي أصابت الإصلاح منذ نشأة الانتقالي وحتى السيطرة على حضرموت:
منذ تأسيس الانتقالي في 2017م تعرض حزب الإصلاح لسلسلة من الضربات المنهجية التي أدت إلى إضعافه بشكل غير مسبوق خاصة في الجنوب... يمكن تلخيص هذه الأضرار كالتالي:
1. خسارة متدرجة ومتسارعة وكبيرة للقوة والنفوذ في:
عدن (2019(
شبوة (2022)
حضرموت (2023-2025):
2. الاستهداف السياسي والإداري: تمت إقالة العديد من المحافظين والمسؤولين الحكوميين الذين كانوا يمثلون عائقاً أمام مشروع الانتقالي في المحافظات الجنوبية (مثل إقالة المحافظ محمد صالح بن عديو في شبوة)
فقد حزب الإصلاح نفوذه في السلطة المحلية والإدارية في الجنوب بالكامل وأصبحت مؤسسات الدولة في هذه المناطق تدار من قبل شخصيات انتقالية أوموالية للانتقالي.
3. الاستهداف الأمني والاجتماعي:
• تعرضت مقرات للحزب في الجنوب للإغلاق أو الحرق.
• تعرض العشرات من أعضاء وقيادات الحزب للاغتيالات والملاحقات والاعتقالات في عدن وغيرها من المدن، مما أجبر الكثير منهم على النزوح أو العمل السري.
• تم تجفيف أي نشاط اجتماعي أو دعوي أو سياسي للحزب في مناطق سيطرة الانتقالي.
4. فقدان النفوذ داخل الشرعية: صعود الانتقالي كشريك قوي في مجلس القيادة الرئاسي وتحالفه مع أطراف أخرى مناهضة للإصلاح (مثل طارق صالح) أدى إلى تهميش نفوذ الإصلاح داخل بنية السلطة نفسها وأصبح الحزب في موقع دفاعي ويصارع للبقاء.
بحلول نهاية عام 2025 م يمكن القول إن حزب الإصلاح قد تم استئصاله (تنظيميا ، سياسيا ، نفوذ) بشكل شبه كامل من المحافظات الجنوبية، وتحول وجوده إلى وجود رمزي أو فردي، مع احتفاظه بقاعدته الجماهيرية مما يمثل أكبر خسارة استراتيجية للحزب منذ تأسيسه.
موقف السلفيين وعضو مجلس الرئاسة أبو زرعة المحرمي
يعتبر موقف التيار السلفي في اليمن معقداً ومتشظياً، حيث انقسم ولاء السلفيين بين أطراف متعددة
1. السلفيون التقليديون:بعض الشخصيات السلفية التقليدية، مثل الشيخ (علي الحذيفي) في عدن، أصدرت فتاوى تحرم الانضمام إلى المجلس الانتقالي، معتبرة إياه خروجاً على "ولي الأمر" (الرئيس هادي آنذاك) هذا الموقف ينبع من عقيدة سلفية تقليدية تحرّم الخروج على الحاكم.
2. السلفيون المقاتلون (المدعومون من الإمارات): شكّل هذا التيار العمود الفقري للقوات العسكرية التي يعتمد عليها الانتقالي.. شخصيات مثل هاني بن بريك (نائب رئيس الانتقالي) وأبو زرعة المحرمي (قائد ألوية العمالقة) هما من خلفيات سلفية اكتسبت نفوذاً عسكرياً كبيراً بدعم إماراتي منذ بداية الحرب.
3. موقف أبو زرعة المحرمي: يُعتبر موقف المحرمي محورياً وحساساً .على الرغم أنه قائد لأبرز قوة عسكرية جنوبية (ألوية العمالقة) ونائب لرئيس المجلس الانتقالي، إلا أن خطابه السياسي غالباً ما يكون أكثر دبلوماسية وحرصاً على التوازن، في تصريحات سابقة أكد المحرمي أن خيار "فك الارتباط" أو "اليمن الاتحادي" يقرره الشعب، مشدداً على أن الأولوية هي مواجهة الحوثيين كـ"جسد واحد" ومع ذلك، فإن مشاركة قواته بفعالية في العمليات العسكرية الأخيرة للانتقالي في حضرموت وموافقته كعضو في مجلس القيادة على هذه التحركات واجتماعاته المتكررة مؤخرا مع عيدروس الزبيدي ووزراء الانتقالي في حكومة الشرعية تشير إلى انحياز عملي لمشروع الانتقالي على الأرض.
موقف طارق صالح (المقاومة الوطنية – حراس الجمهورية – الساحل الغربي):
موقف العميد طارق صالح، قائد قوات "المقاومة الوطنية" في الساحل الغربي وعضو مجلس القيادة الرئاسي شهد تحولاً ملحوظاً... في البداية كان يُنظر إليه كشخصية وحدوية بحكم انتمائه لمدرسة سياسية (نظام عمه علي عبد الله صالح) كانت مركزية ووحدوية ومع ذلك وبفعل التحالفات التي فرضتها الحرب ومصالح الخارج وخاصة علاقته الوثيقة مع الإمارات أصبح موقفه أكثر تقارباً مع المجلس الانتقالي.
مؤخراً، ووفقاً لتصريحات المتحدث باسم المجلس الانتقالي فإن طارق صالح كان من بين أعضاء مجلس القيادة الرئاسي الذين أيدوا العملية العسكرية للانتقالي في حضرموت والمهرة ... هذا الموقف الذي قد يبدو متناقضاً مع إرثه السياسي يُفسَّر على أنه خطوة براغماتية تهدف إلى الحفاظ على التحالف مع الإمارات الخصم المشترك لحزب الإصلاح ، وتأمين نفوذه في أي تسوية سياسية مستقبلية.. بينما قلل في تصريحات أخرى من خطورة تحركات الانتقالي واعتبرها "إعادة ترتيب لمسرح العمليات"
خطوات وتكتيكات المجلس الانتقالي للسيطرة
منذ تأسيسه اتبع المجلس الانتقالي الجنوبي استراتيجية مزدوجة تجمع بين العمل العسكري على الأرض والمناورة السياسية لتعزيز نفوذه وتحقيق أهدافه... يمكن تلخيص تكتيكاته في ثلاث محاور رئيسية :
أولاً: السيطرة على المحافظات الجنوبية (العمل على الأرض)
اعتمد الانتقالي على القوة العسكرية كأداة أساسية لفرض الأمر الواقع، مستغلاً الدعم الإماراتي السخي في بناء وتجهيز قوات جنوبية قوية ومنظمة تعمل خارج إطار وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة الشرعية... مرت هذه السيطرة بعدة مراحل:
1. بناء القوة العسكرية الموازية: منذ 2015 م دعمت الإمارات تشكيل قوات "الحزام الأمني" في عدن ولحج وأبين، و"النخبة الشبوانية" و"النخبة الحضرمية"... هذه القوات التي تم تدريبها وتسليحها وتمويلها إماراتياً أصبحت الذراع العسكري الفعلي للمجلس الانتقالي مما منحه تفوقاً حاسماً على الأرض في مواجهة القوات الحكومية.
2. السيطرة على عدن (أغسطس 2019): بعد اشتباكات عنيفة مع قوات الحماية الرئاسية التابعة للحكومة الشرعية، تمكنت قوات الانتقالي من السيطرة الكاملة على العاصمة المؤقتة عدن. كانت هذه الخطوة بمثابة "انقلاب" صريح على الحكومة وأجبرتها على مغادرة المدينة مما رسخ الانتقالي كقوة مهيمنة في عدن.
3. اتفاق الرياض (نوفمبر 2019): على الرغم من أن الاتفاق جاء لوقف المواجهات وإعادة الحكومة إلى عدن، إلا أنه في جوهره منح المجلس الانتقالي شرعية سياسية لم يكن يمتلكها من قبل... اعترف الاتفاق بالانتقالي كطرف رئيسي وكمكون سياسي يجب إشراكه في الحكومة، مما حوله من "مليشيا متمردة" في نظر الشرعية إلى "شريك سياسي" معترف به إقليمياً.
4. السيطرة على سقطرى (يونيو 2020): في خرق واضح لاتفاق الرياض، سيطرت قوات الانتقالي على أرخبيل سقطرى الاستراتيجي بعد طرد السلطة المحلية والقوات الحكومية.. عززت هذه الخطوة من سيطرة المجلس على المفاصل الجغرافية الهامة في الجنوب.
5. السيطرة على شبوة (أغسطس 2022): بعد إقالة المحافظ محمد صالح بن عديو (المحسوب على حزب الإصلاح) وتعيين محافظ جديد موالٍ للإمارات (عوض الوزير العولقي)، تمكنت قوات "دفاع شبوة" (النخبة الشبوانية سابقاً) وألوية العمالقة من السيطرة الكاملة على المحافظة وطرد القوات الخاصة التابعة للحكومة. كانت هذه الخطوة حاسمة لأنها أمّنت ظهر الانتقالي وفتحت الطريق نحو حضرموت.
6. الطريق إلى حضرموت والمهرة (2023-2025): استغل الانتقالي حالة الضعف في مجلس القيادة الرئاسي وبدأ عملية "إعادة انتشار" لقواته في مديريات وادي حضرموت تحت ذريعة "مكافحة الإرهاب" و"تأمين المحافظة".. هذه الخطوات التي تمت بموافقة ضمنية أو صريحة من أطراف في مجلس القيادة، تهدف إلى تفكيك "المنطقة العسكرية الأولى" التابعة للشرعية، والتي يعتبرها الانتقالي – حسب زعمه - آخر معاقل "القوات الشمالية" وحزب الإصلاح في الجنوب... بحلول نهاية 2025، كان الانتقالي قد أحكم سيطرته على أجزاء واسعة من الوادي وصولا إلى السيطرة الكاملة على حضرموت والمهرة وافراغ المنطقة من أي قوات تتبع الشرعية ( وزارة الدفاع ورئاسة الأركان)
ثانياً: السيطرة على قرار الشرعية (المناورة السياسية)
لم يكتفِ الانتقالي بالسيطرة العسكرية، بل عمل بذكاء على اختراق بنية الشرعية نفسها واستغلالها من الداخل بالطرق التالية:
1. استغلال اتفاق الرياض: كما ذكرنا سابقا أن استخدم الانتقالي الاتفاق كبوابة للحصول على اعتراف سياسي ومناصب في الحكومة ورغم عدم التزامه بالشق العسكري والأمني من الاتفاق (دمج قواته) إلا إنه تمسك بالشق السياسي الذي يمنحه مقاعد وزارية.
2. المشاركة في مجلس القيادة الرئاسي (أبريل 2022): كانت هذه هي الخطوة الأهم والأكثر تأثيراً فبوجود رئيسه عيدروس الزُبيدي نائباً لرئيس مجلس القيادة أصبح الانتقالي جزءاً من رأس السلطة الشرعية هذا الموقف منحه:
• غطاء شرعي لتحركاته: أصبحت قراراته العسكرية على الأرض (مثل ما حدث في شبوة وحضرموت) تُمرر عبر مجلس القيادة مما يضفي عليها طابعاً "رسمياً" بدلاً من كونها "تمرداً".
• حق الفيتو (التعطيل): أصبح بإمكانه تعطيل أي قرارات داخل المجلس لا تخدم مشروعه، أو الضغط لتمرير قرارات تخدمه، مستغلاً آلية التوافق التي يعمل بها المجلس.
• تمثيل دولي: أصبح الزُبيدي يستقبل السفراء والمسؤولين الدوليين بصفته الرسمية كنائب لرئيس مجلس القيادة، مما منحه منصة لتسويق قضيته ومشروعه الانفصالي على الساحة الدولية.
3 .استغلال التناقضات: أجاد الانتقالي اللعب على التناقضات بين مكونات معسكر الشرعية، خاصة العداء المشترك بينه وبين أطراف أخرى (مثل طارق صالح) ضد حزب الإصلاح. استخدم هذا العداء المشترك كذريعة لتبرير عملياته العسكرية – حسب زعمه - ضد القوات المحسوبة على الإصلاح، وحصل على دعم أو صمت من أطراف أخرى في مجلس القيادة.
ثالثا: إعلان وزراء الانتقالي تأييدهم لقائدهم استعراض للقوة داخل الحكومة
إعلان وزراء الانتقالي في الحكومة تأييدهم الكامل لتحركات قائدهم عيدروس الزُبيدي هو خطوة مدروسة تهدف إلى:
• تأكيد ازدواجية الولاء: هي رسالة واضحة بأن ولاءهم الأول والأخير هو للمجلس الانتقالي ومشروعه وليس للحكومة التي هم أعضاء فيها، ...هم "وزراء دولة" ولكنهم في الحقيقة "وزراء الانتقالي في الدولة"
• شلل الحكومة: هذا الموقف يشل قدرة رئيس الوزراء على اتخاذ أي موقف حاسم ضد تحركات الانتقالي... فكيف يمكن لمجلس الوزراء أن يصدر بياناً يدين تحركات في حضرموت بينما جزء من الوزراء يؤيدونها علناً؟
• فرض الأمر الواقع: هي طريقة أخرى لتأكيد أن الانتقالي يشارك في الحكومة بشروطه هو ويستخدم منصبه فيها كغطاء ورافعة لمشروعه الخاص وليس كجزء مندمج في منظومة الدولة
بهذه التكتيكات المزدوجة، نجح المجلس الانتقالي في الانتقال من مجرد "حركة انفصالية" إلى فاعل رئيسي يسيطر على الأرض ويشارك في قمة هرم السلطة، مستغلاً الشرعية نفسها كغطاء ووسيلة لتحقيق هدفه النهائي المتمثل في الانفصال..
مدى قدرة الانتقالي على إعلان الانفصال: محددات النجاح والفشل
يمتلك المجلس الانتقالي الجنوبي اليوم العديد من مقومات الدولة (سيطرة على الأرض، قوة عسكرية، مؤسسات موازية، تمثيل سياسي)، لكن ترجمة هذه المقومات إلى إعلان دولة مستقلة معترف بها دولياً هو أمر محفوف بتحديات هائلة... يمكن تقييم قدرته على الانفصال من خلال تحليل محددات النجاح والفشل
محددات النجاح (عوامل القوة لدى الانتقالي)
1. السيطرة العسكرية والأمنية: يمتلك الانتقالي قوات عسكرية وأمنية ضاربة (ألوية العمالقة، الحزام الأمني، دفاع شبوة، وغيرها) تسيطر بشكل شبه كامل على عدن، لحج، أبين، شبوة، سقطرى، وأخيرا حضرموت والمهرة .. هذا التفوق العسكري على الأرض هو أهم ورقة قوة يمتلكها لفرض الأمر الواقع.
2. الدعم الإقليمي (الإماراتي): يوفر الدعم الإماراتي المستمر (عسكرياً، مالياً، سياسياً) للانتقالي غطاءً حيوياً... هذا الدعم لا يمكّنه عسكرياً فحسب بل يمنحه أيضاً نفوذاً دبلوماسياً ويصعّب من مهمة أي طرف يسعى لمواجهته.
3. وجود القضية الجنوبية: يستند الانتقالي إلى مظلومية تاريخية حقيقية وشعور لدى قطاع بعض سكان الجنوب بالرغبة في فك الارتباط، وهو ما يمنحه قاعدة شعبية وحاضنة اجتماعية لا يمكن تجاهلها.
4. ضعف وتفكك معسكر الشرعية: استغل الانتقالي ببراعة الانقسامات العميقة داخل معسكر الشرعية (الخلافات بين المؤتمر والإصلاح، ضعف الحكومة، تضارب الأجندات داخل مجلس القيادة الرئاسي).. هذا الضعف منحه مساحة واسعة للمناورة والتمدد دون مقاومة حقيقية موحدة.
5. الوجود في هرم السلطة: مشاركة الزُبيدي في مجلس القيادة الرئاسي تمنح الانتقالي موقعاً فريداً يمكنه من خلاله إضفاء الشرعية على خطواته أو تعطيل أي قرارات مضادة، مما يسهل عملية الانفصال من الداخل.
محددات الفشل (التحديات والعقبات)
1. غياب الاعتراف الدولي: هذا هو التحدي الأكبر، المجتمع الدولي (بما في ذلك الأمم المتحدة والدول الكبرى مثل الولايات المتحدة) لا يزال موقفه الرسمي يدعم وحدة اليمن وسلامة أراضيه، أي إعلان انفصال من جانب واحد سيواجه رفضاً دولياً مما يعني عزلة سياسية واقتصادية خانقة للدولة الوليدة
2. الموقف السعودي: على عكس الإمارات تبدو السعودية أكثر حذراً وقلقاً تجاه فكرة الانفصال... الرياض تخشى أن يؤدي تقسيم اليمن إلى فوضى على حدودها الجنوبية الطويلة وقد يؤدي إلى نشوء كيانات متعددة متصارعة مما يعقد المشهد الأمني... بدون ضوء أخضر سعودي سيكون من الصعب جداً نجاح الانفصال .
3. الانقسامات الجنوبية-الجنوبية: المشروع الانفصالي ليس محل إجماع كل الجنوبيين، لا تزال هناك قوى وشخصيات وازنة في حضرموت والمهرة ترفض هيمنة الانتقالي وتدعو إلى أقاليم ضمن دولة اتحادية أو لديها مشاريعها الخاصة.. حضرموت بثقلها التاريخي والاقتصادي يمكن أن تكون عقبة كبرى إذا استمرت في رفض الانضواء تحت راية الانتقالي.
4. الأزمة الاقتصادية: المحافظات الجنوبية تعاني من انهيار اقتصادي وخدمي حاد ، أي دولة جديدة ستولد وهي تحمل عبء توفير الخدمات والرواتب وإدارة اقتصاد منهار يعتبر تحدٍ قد يفوق قدرة الانتقالي خاصة إذا قوبل بعقوبات أو حصار اقتصادي.
5. قضية الحدود: حدود دولة الجنوب ما قبل 1990 ليست أمراً مُسلماً به وهناك مناطق متنازع عليها كما أن مصير عائدات النفط والغاز (خاصة في شبوة وحضرموت) سيكون محل صراع شديد.
الخلاصة: يمتلك الانتقالي القدرة على إعلان الانفصال كـ "أمر واقع" على الأرض التي يسيطر عليها عسكرياً، لكنه يفتقر إلى القدرة على تحقيق "نجاح" هذا الانفصال، أي الحصول على اعتراف دولي وإقامة دولة مستقرة وقابلة للحياة... لذلك من المرجح أن يستمر في استراتيجيته الحالية: تعزيز الحكم الذاتي وتوسيعه، وإدارة الجنوب ككيان شبه مستقل مع تأجيل خطوة الإعلان الرسمي إلى حين توفر لحظة إقليمية ودولية مناسبة.
تداعيات إعلان الانفصال (في حال حدوثه)
سيكون لإعلان الانفصال، حتى لو لم يحظ باعتراف دولي، تداعيات خطيرة ومعقدة على جميع المستويات.
على اليمن:
• ترسيخ التقسيم: سيؤدي إلى تقسيم اليمن رسمياً إلى دولتين (أو أكثر)، مما ينهي أي أمل في استعادة الدولة اليمنية الموحدة.
• حرب أهلية جديدة: من المرجح أن ترفض القوى الشمالية (بما فيها الحوثيون والقوى الوحدوية الأخرى) هذا الانفصال، مما قد يشعل حرباً جديدة على أسس وطنية هذه المرة، خاصة حول المناطق الحدودية والثروات.
• إضعاف جبهة مواجهة الحوثيين: سيؤدي الانفصال إلى تفكك التحالف المناهض للحوثيين بشكل كامل، مما قد يمكن الحوثيين من تعزيز سيطرتهم على الشمال وربما التمدد أكثر.
على الجوار الإقليمي
• قلق سعودي: ستجد السعودية نفسها أمام واقع جديد ومعقد على حدودها، مع دولة جنوبية قد تكون غير مستقرة أو خاضعة لنفوذ إماراتي كامل، ودولة شمالية معادية (تحت سيطرة الحوثيين).
• أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب: سيؤدي عدم الاستقرار إلى تهديد أمن الملاحة في أحد أهم الممرات المائية في العالم، مما يستدعي تدخلاً دولياً أكبر.
• انتشار نموذج التفكك: قد يشجع نجاح انفصال الجنوب حركات انفصالية أخرى في المنطقة، مما يهدد استقرار دول أخرى قائمة على تركيبات اجتماعية معقدة.
السيناريوهات المستقبلية ( تحليل )
بناءً على المعطيات الحالية يمكن استشراف أربعة مسارات رئيسية قد يسلكها اليمن، لكل منها مسبباته وتداعياته الخاصة
السيناريو الأول: الجمود وتكريس الأمر الواقع (السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القصير)
وصف السيناريو :يستمر الوضع الحالي كما هو...يظل المجلس الانتقالي عضواً في مجلس القيادة الرئاسي بينما يحكم سيطرته الإدارية والعسكرية والأمنية على المحافظات الجنوبية ككيان شبه مستقل (فيدرالية بحكم الأمر الواقع). يمتنع الانتقالي عن إعلان الانفصال الرسمي الكامل لتجنب الصدام مع المجتمع الدولي والسعودية.. لكنه في المقابل يرفض أي محاولة لإعادة دمج قواته أو التنازل عن مكاسبه على الأرض، تظل الحكومة الشرعية ضعيفة ومشلولة وتستمر حالة "لا حرب ولا سلم" مع الحوثيين
المحركات والدوافع :
• رغبة الانتقالي في تجنب العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية التي ستتبع أي إعلان انفصال أحادي.
• ضغط سعودي للحفاظ على وحدة شكلية لمجلس القيادة الرئاسي كواجهة للتحالف المناهض للحوثيين.
• عدم قدرة أي طرف على حسم الموقف عسكرياً بشكل كامل.
• استمرارالدعم الإماراتي الذي يُمكِن الانتقالي من الحفاظ على استقلاليته التشغيلية.
التداعيات :
على المدى القصير استقرار هش ومؤقت يمنع الانهيار الكامل أو الحرب الشاملة.
على المدى الطويل:
1 - تآكل تدريجي وممنهج لمؤسسات الدولة اليمنية الموحدة، مما يجعل فكرة الوحدة مستحيلة عملياً في المستقبل تفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية بسبب غياب سلطة مركزية فاعلة قادرة على إدارة موارد الدولة وتقديم الخدمات
2 - يصبح الانفصال الرسمي مجرد مسألة وقت، ينتظر اللحظة الإقليمية والدولية المناسبة.
السيناريو الثاني: إعلان الانفصال والحرب الأهلية الجديدة (سيناريو الانهيار)
وصف السيناريو :يقوم المجلس الانتقالي مدفوعاً بضغوط داخلية أو شعور باكتمال سيطرته بإعلان الانفصال رسمياً من جانب واحد، يرفض هذا الإعلان كل من الحوثيين والقوى السياسية الشمالية والجنوبية المناهضة للانتقالي ، ينهار مجلس القيادة الرئاسي وتندلع مواجهات عسكرية واسعة النطاق بين قوات الانتقالي من جهة وتحالف غير متجانس من القوات الحكومية المتبقية والقبائل والقوى الشمالية من جهة أخرى على طول الحدود السابقة بين الشطرين وخاصة حول المناطق الغنية بالنفط (شبوة وحضرموت)
المحركات والدوافع:
• وصول الانتقالي إلى قناعة بأن المجتمع الدولي لن يفرض عقوبات رادعة، أو حصوله على ضوء أخضر من حليف إقليمي رئيسي (الإمارات).
• حدوث انهيار كامل في المفاوضات السياسية مع الأطراف الأخرى، مما يدفعه إلى فرض الأمر الواقع بالقوة.
• ضغط من القواعد الشعبية والعسكرية المتشددة داخل الانتقالي التي تطالب بحسم الموقف.
التداعيات:
حرب أهلية جديدة أكثر تعقيداً من الحرب الحالية، حيث ستكون على أسس وطنية وجهوية (شمال ضد جنوب) وليس فقط سياسية.
تفكك اليمن إلى أكثر من دولتين: قد يؤدي الصراع إلى ظهور كيانات متعددة متصارعة (دولة حوثية في الشمال، دولة انتقالية في الجنوب، مناطق نفوذ قبلية في حضرموت والمهرة، وكيان طارق صالح في الساحل الغربي).
كارثة إنسانية كبرى وتدخل دولي مباشر لحماية الملاحة الدولية في باب المندب والبحر الأحمر.
المستفيد الأكبر: جماعة الحوثي، التي ستستغل انشغال خصومها بقتال بعضهم البعض لترسيخ سلطتها في الشمال.
السيناريو الثالث: التسوية السياسية والدولة الاتحادية (سيناريو الحل)
وصف السيناريو: تحت ضغط دولي وإقليمي كبير (بقيادة السعودية وسلطنة عُمان)، وبسبب الإرهاق العسكري والاقتصادي لجميع الأطراف، توافق القوى اليمنية الرئيسية (بما في ذلك الانتقالي والحوثيون) على الدخول في مفاوضات سلام شاملة تفضي المفاوضات إلى اتفاق تاريخي يتبنى صيغة الدولة الاتحادية من عدة أقاليم (بناءً على مخرجات الحوار الوطني)، مع منح إقليم الجنوب (أو أقاليم الجنوب) صلاحيات سياسية واقتصادية وأمنية واسعة جداً تقترب من الكونفدرالية مقابل بقائه ضمن إطار الدولة اليمنية الموحدة.
المحركات والدوافع:
• ضغط دولي وسعودي قوي على جميع الأطراف لإنهاء الحرب خوفاً من تداعيات سيناريو الانهيار.
• إدراك الانتقالي لصعوبة الحصول على اعتراف دولي بالانفصال الكامل وقبوله بصيغة تحفظ له مكاسبه ونفوذه الواسع في الجنوب.
• وصول جميع الأطراف إلى حالة من الإنهاك التام واستحالة الحسم العسكري.
التداعيات:
إنهاء الحرب والبدء في مرحلة انتقالية جديدة لبناء مؤسسات الدولة الاتحادية.
تحديات هائلة في التنفيذ: الخلاف حول عدد الأقاليم ، توزيع الثروة والسلطة ، دمج التشكيلات العسكرية ، وآليات حل النزاعات.
يظل هذا الحل هشاً ومعرضاً للانهيار في أي لحظة إذا لم تكن هناك ضمانات دولية قوية وإرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف.
رغم صعوبته يمثل هذا السيناريو الأمل الوحيد في الحفاظ على كيان يمني موحد وتجنب الحرب الشاملة.
السيناريو الرابع: الانفصال الناعم (الطلاق بالتراضي)
وصف السيناريو: في تطور غير متوقع، تصل القوى السياسية الرئيسية في الشمال والجنوب إلى قناعة بأن الوحدة لم تعد قابلة للحياة وأن استمرارها بالقوة سيؤدي إلى حرب لا نهاية لها... برعاية إقليمية ودولية يتم التفاوض على "انفصال مُدار" أو "طلاق بالتراضي"، يتم الاتفاق على آليات لتقسيم الأصول والديون ، رسم الحدود، تنظيم العلاقات المستقبلية بين الدولتين (الشمالية والجنوبية) بما في ذلك حرية التنقل والتجارة.
المحركات والدوافع:
• فشل كل محاولات الحلول الأخرى (الفيدرالية، الحرب، الجمود).
• تغير جذري في الموقف السعودي والوصول إلى قناعة بأن وجود دولتين صغيرتين يمكن التعامل معهما أفضل من دولة واحدة كبيرة وفاشلة.
• ضغط شعبي هائل في الشمال والجنوب لإنهاء حالة عدم اليقين وتأسيس دول مستقرة.
التداعيات:
سيناريو سلمي نظرياً لكنه صعب التحقيق بشكل لا يصدق على أرض الواقع بسبب عمق الانقسامات وقضايا الثروة والحدود.
مخاطر عالية: حتى لو تم الاتفاق يمكن أن تندلع نزاعات لاحقة حول المناطق المتنازع عليها (مثل مناطق النفط).
سيخلق سابقة خطيرة في المنطقة وقد يشجع حركات انفصالية أخرى.
يعتبر هذا السيناريو الأقل ترجيحاً على الإطلاق بسبب التعقيدات الهائلة وغياب أي دعم دولي أو إقليمي له حالياً.
خاتمة وتوصيات:
كيف يمكن مواجهة المشروع؟ إن صعود المجلس الانتقالي الجنوبي ليس مجرد تمرد عابر، بل هو نتيجة تراكمية لفشل الدولة اليمنية في معالجة مظالم الماضي، وتعبير عن تشظي الشرعية، وتأثير التدخلات الإقليمية المتضاربة... لقد نجح المجلس في تحويل نفسه من حركة مطلبية إلى كيان يملك مقومات الدولة، مستغلاً ببراعة ضعف خصومه وتناقضات حلفائه... إن مواجهة هذا المشروع لا يمكن أن ينجح عبر الإدانة والشجب، أو عبر المواجهة العسكرية التي قد تشعل حرباً أهلية جديدة وإنما يتطلب عملاً مركباً يتجاوز المواجهة العسكرية، ويرتكز على معالجة الأسباب التي أدت إلى صعوده وتقديم مشروع وطني بديل يكون أكثر عدلاً وجاذبية ولتحقيق ذلك يمكن اقتراح الطرق التالية:
• إعادة بناء وتوحيد معسكر الشرعية (حل مجلس القيادة الرئاسي) :هذا المجلس بشكله الحالي أثبت أنه غير قادر على العمل ويعاني من تضارب المصالح. يجب تشكيل قيادة جديدة أكثر انسجاماً، أو إعادة الصلاحيات إلى مؤسسات الدولة الدستورية (الرئاسة، الحكومة، البرلمان) مع إصلاحها
• تشكيل جيش وطني موحد: يجب العمل بجدية على تنفيذ الشق العسكري والأمني من اتفاق الرياض، ودمج كافة التشكيلات العسكرية تحت قيادة وزارتي الدفاع والداخلية .. أي حل يُبقي على جيوش متعددة يفاقم المشكلة ويطيل أمد الصراع
• معالجة القضية الجنوبية بشكل عادل: لا يمكن تجاهل المظالم التاريخية والشعور بالغبن لدى الجنوبيين... يجب تقديم مشروع وطني حقيقي يعالج هذه القضية عبر تطبيق مخرجات الحوار الوطني المتعلقة بالدولة الاتحادية (دولة اتحادية من عدة أقاليم بصلاحيات واسعة)، فهذا الحل يمثل أرضية وسط بين الوحدة المركزية والانفصال الكامل
• تحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة المتسببين في نهب أراضي وثروات الجنوب
• تحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية: إن فشل الحكومات الشرعية المتعاقبة في توفير الخدمات الأساسية والرواتب في المحافظات المحررة هو يعد من أهم الأسباب الذي ألقى بالناس في أحضان الانتقالي... أي حكومة تريد كسب ثقة الشارع يجب أن تجعل تحسين معيشة المواطن أولويتها القصوى
• العمل الدبلوماسي والإقليمي: يجب على الشرعية القيام بجهد دبلوماسي مكثف لإقناع الأطراف الإقليمية، وتحديداً السعودية والإمارات، بأن مصلحتهم الاستراتيجية تكمن في يمن موحد ومستقر وليس في يمن مقسم ومتصارع.
• يجب توضيح مخاطر الانفصال على أمن المنطقة والملاحة الدولية لكسب دعم دولي فاعل ضد أي خطوات أحادية.
• دعم المكونات الجنوبية الأخرى: يجب دعم وتمكين المكونات الجنوبية الأخرى التي لا تتفق مع مشروع الانتقالي (مثل المكونات في حضرموت والمهرة)، لتقديم بديل سياسي يمثل أطيافاً أوسع من المجتمع الجنوبي ويؤمن بالحل الفيدرالي ضمن اليمن الموحد.
قائمة المصادر والمراجع
أولاً: الوثائق والتقارير الدولية
1. مجلس الأمن الدولي (فريق الخبراء المعني باليمن): "التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني باليمن المقدم إلى رئيس مجلس الأمن"، الوثيقة رقم (S/2020/326)، تاريخ النشر: 27 يناير 2020م.
2. المعهد الملكي للشؤون الدولية (Chatham House): ندوة "مستقبل اليمن ومسار السلام"، مشاركة الأستاذ عبدالرزاق الهجري (رئيس كتلة الإصلاح البرلمانية)، لندن، بتاريخ 16 ديسمبر 2025م.
ثانياً: تقارير مراكز الدراسات الاستراتيجية
3. مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group): "إعادة ضبط العلاقات بين السعودية واليمن: من الحرب إلى سياسة الجوار"، تقرير الشرق الأوسط رقم 236، تاريخ النشر: 12 أكتوبر 2023م.
4. مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group): "شبوة ورهانات النفوذ: كيف تغيرت موازين القوى في جنوب اليمن؟"، تقرير ميداني، تاريخ النشر: 25 أغسطس 2022م.
5. مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية: "إعادة تشكيل الجنوب: التغييرات في السلطة المحلية وموازين القوى"، تقرير تحليل السياسات، تحديثات 2024-2025م.
6. مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية: "اتفاق الرياض: محاولة أخيرة لإنقاذ الجبهة المناهضة للحوثيين"، العدد 39، تاريخ النشر: نوفمبر 2019م.
7. مركز كارنيغي للسلام الدولي (Carnegie Endowment): "مقامرة الإمارات العربية المتحدة في جنوب اليمن"، دراسة للباحث بيتر ساليسبري، تحديث 2023م.
8. مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط: "سلفيو اليمن في زمن الحرب: التسييس والتشظي"، دراسة للباحث أحمد ناصر، تاريخ النشر: 18 فبراير 2021م.
9. معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute): "مجلس القيادة الرئاسي اليمني: التحديات الداخلية وتوازن القوى المعقد"، تاريخ النشر: 19 مايو 2022 (تحديثات 2024).
10. المجلس الأطلسي (Atlantic Council): "القضية الجنوبية في اليمن: المظالم التاريخية وتحديات المستقبل"، دراسة للباحث ستيفن سيتشي، تحديث 2022م.
ثالثاً: المصادر الإخبارية والمنصات الرسمية
11. وكالة الأنباء اليمنية (سبأ): "نشرة أخبار السلطة المحلية والقرارات السيادية"، (النسخة الموالية للانتقالي)، عدن.
12. وكالة 2 ديسمبر الإخبارية (المنصة الرسمية للمقاومة الوطنية): "كلمة العميد ركن طارق محمد صالح أمام قيادات المقاومة الوطنية في الساحل الغربي"، بتاريخ 14 ديسمبر 2025م.
13. موقع يافع نيوز: "تغطية ميدانية لأحداث التوتر الأمني في الجنوب"، تاريخ النشر: 1 مارس 2018م.
14. صحيفة الصحوة نت وموقع المصدر أونلاين: "تغطية لزيارة وفد حزب الإصلاح إلى لندن وتصريحات القيادات"، ديسمبر 2025م.
