المشهد اليمني

زيارة ودية لشخصية يمنية استثنائية

الخميس 18 ديسمبر 2025 10:10 مـ 28 جمادى آخر 1447 هـ
زيارة ودية لشخصية يمنية استثنائية

كانت زيارتُنا، اليوم الخميس إلى مكتب رجل الأعمال والمال، الداتو الدكتور فؤاد هائل سعيد، في العاصمة الماليزية كوالالمبور، زيارةً تجاوزت إطار اللقاءات البروتوكولية العابرة، لتغدو موعدًا مع الحكمة، ووقفةً أمام تجربة اقتصادية وإنسانية نادرة، صاغت اسمها بحروف من عملٍ صادق، ورؤيةٍ بعيدة، وانتماءٍ لا يشيخ للوطن.

دخلنا المكان ونحن ندرك أننا لا نزور رجلَ مالٍ فحسب، بل نلتقي سيرةً حيّة، تختصر تاريخًا طويلًا من العطاء، وتجسّد مدرسةً قائمة بذاتها في فهم الاقتصاد بوصفه رسالة، وفي التعامل مع الثروة باعتبارها أمانة قبل أن تكون امتيازًا. كان اللقاء منذ لحظاته الأولى مشبعًا بروح الود، ومفعمًا بمعاني الصداقة الخالصة، تلك الصداقة التي لا تُبنى على المصالح الضيقة، بل على الولاء العميق للوطن، والإيمان بأن اليمن – رغم الجراح – لا يزال قادرًا على النهوض بأبنائه المخلصين.

دار الحديث، في جوٍ يسوده الاحترام والتقدير، عن الدور الكبير الذي قامت وتقوم به أسرة بيت هائل سعيد، في الداخل والخارج، وما قدمته من أعمال رائدة خدمت الإنسان اليمني في أهم ركائز حياته: التعليم، والصحة، والصناعة. لم يكن الكلام سردًا لإنجازات تُذكر للتفاخر، بل توثيقًا لمسار طويل من العمل المؤسسي، الذي آمن بأن بناء الإنسان هو الاستثمار الحقيقي، وأن نهضة الأوطان لا تُشيَّد بالخطابات، بل بالمشاريع المستدامة، وبالعمل الذي يلامس حياة الناس اليومية، ويخفف عنهم وطأة المعاناة، ويفتح أمامهم أبواب الأمل.

وتوقفنا طويلًا عند التجربة التعليمية التي دعمتها هذه الأسرة، وكيف أسهمت في صناعة أجيالٍ واعية، متعلمة، قادرة على حمل مسؤولية الغد، وفي المشاريع الصحية التي لم تفرّق بين إنسانٍ وآخر، وجعلت من العلاج حقًا لا منّة، ومن الرحمة نهجًا لا شعارًا. كما تطرق الحديث إلى القطاع الصناعي، الذي شكّل رافعةً اقتصاديةً حقيقية، وأسهم في خلق فرص العمل، وتحريك عجلة التنمية، وربط الاقتصاد الوطني بسلاسل الإنتاج العالمية، دون أن يفقد هويته أو انتماءه.

وفي سياق الحديث، برز دور الداتو الدكتور فؤاد هائل سعيد في ماليزيا، حيث أجمع الحضور على اعتباره الأب الروحي للجالية اليمنية هناك؛ ليس لقبًا يُطلق جزافًا، بل وصفًا استحقه بما يقدمه من دعمٍ ورعاية، وبما يبذله من جهودٍ صامتة، تصبّ في لمّ الشمل، وتثبيت الحضور اليمني الإيجابي في هذا البلد المضياف. تحدّثنا عن مبادراته التي تهدف إلى بناء الأجيال، وصقل طاقات الشباب، وتهيئة بيئةٍ تساعدهم على التعلم، والعمل، والاندماج الإيجابي، دون أن ينسلخوا عن هويتهم أو قيمهم.

ولم يخلُ اللقاء من نقاشٍ عميق ومسؤول حول واقع رجال الأعمال اليمنيين في ماليزيا، والتحديات التي تواجههم في بيئة اقتصادية تنافسية ومتغيرة. كان حديثًا صريحًا، بعيدًا عن المجاملات، تناول أسباب التعثر والنجاح، وحدّد مكامن الخلل، وفتح آفاقًا جديدة للتفكير. قدّم الداتو، بخبرة السنين، جملةً من النصائح العملية، التي تمحورت حول أهمية التخطيط طويل المدى، وبناء السمعة قبل الأرباح، والالتزام بالقوانين، واحترام ثقافة البلد المضيف، والعمل بروح الفريق، وعدم الارتهان للمكاسب السريعة التي قد تهدم ما يُبنى في سنوات.

كان حديثه أشبه بدروسٍ اقتصادية مُكثفة، تختصر تجارب عالمية، وتُقدَّم بلغةٍ بسيطة، يفهمها المبتدئ ويقدّرها الخبير. في كل كلمةٍ كان هناك حرصٌ على أن ينجح الآخرون، وإيمانٌ بأن نجاح الفرد لا يكتمل إلا بنجاح محيطه، وأن قوة الجالية الاقتصادية تنعكس قوةً في حضورها الاجتماعي والوطني.

امتد اللقاء طويلًا، دون أن نشعر بثقل الوقت، فقد كان ثريًا في مضمونه، غنيًا في معانيه، متدفقًا بالأفكار والرؤى. كان لقاءً مع قامة اقتصادية، وعقلٍ استراتيجي، وبنك معلومات مفتوح، لا يبخل بالمعرفة، ولا يحتكر الخبرة، بل يوزعها بسخاء من يدرك أن العلم والخبرة لا تنقص بالعطاء، بل تزداد.

خرجنا من هذا اللقاء ونحن نحمل شعورًا عميقًا بالفخر، والاعتزاز، والامتنان. فخرٌ برجال أعمالٍ يمنيين نحتوا أسماءهم في تاريخ الاقتصاد، محليًا وعالميًا، دون أن يتخلّوا عن قيمهم، أو ينسوا جذورهم. واعتزازٌ بتجارب أثبتت أن النجاح يمكن أن يترافق مع الأخلاق، وأن الثروة حين تقترن بالمسؤولية تتحول إلى قوة بناء لا أداة استعراض. وامتنانٌ لرجلٍ أعطى الكثير، ولا يزال يعطي، بصمت الواثق، وحكمة المجرب، وقلبٍ معلّق بوطنه وإن ابتعدت به الجغرافيا.

نعم، نفخر بمثل هؤلاء الرجال، لأنهم لم يكونوا مجرد أرقام في عالم المال، بل صُنّاع أثر، وبناة أمل، وشهودًا على أن اليمن، رغم كل ما مرّ به، لا يزال ينجب رجالًا يكتبون اسمه في دفاتر المجد، لا بالحبر فقط، بل بالفعل والعمل والإخلاص.

* رجل أعمال يمني مقيم في ماليزيا.