المشهد اليمني

”أكاديمية الأقصى الطبية”.. قنبلة الحوثي الموقوتة التي تهدد بانهيار القطاع الصحي في اليمن

الخميس 18 ديسمبر 2025 12:00 صـ 28 جمادى آخر 1447 هـ
تعبيرية
تعبيرية

في خطوة وُصفت بأنها "ضربة قاصمة لمستقبل الطب اليمني"، دشنت مليشيا الحوثي، التي تسيطر على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة في شمال البلاد، "أكاديمية الأقصى للعلوم الطبية والتطبيقية".

هذه المؤسسة الجديدة، التي حصلت على ترخيص رسمي من سلطات الأمر الواقع، تمنح نفسها الحق في تدريس العلوم الطبية باللغة العربية، في تحدٍ صارخ للمعايير الأكاديمية الدولية وإجماع عالمي يرى في اللغة الإنجليزية لغة العلوم والتطور الطبي الحتمية.

القرار أثار موجة من المخاوف والتحذيرات في الأوساط الأكاديمية والطبية، التي ترى فيه مشروعًا لإنتاج كادر طبي ضعيف ومسيّس، قد يدفع فاتورته كارثية على صحة الملايين من اليمنيين.

تفاصيل الخطوة وتكتيكات التمكين:

كشفت مصادر أكاديمية موثوقة، اليوم الأربعاء، النقاب عن تفاصيل المشروع الذي أعدته المليشيا بعناية. فوفقًا للمصادر، فإن "أكاديمية الأقصى" ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى هيمنة الحوثيين على القطاع الصحي وتعبئته بعناصر موالية لهم.

ويستهدف المشروع في المقام الأول مئات من عناصر المليشيا وأنصارها الذين فشلوا في الالتحاق بالكليات الطبية الحكومية والخاصة المعترف بها بسبب ضعف مستوياتهم الأكاديمية.

وبدلاً من رفع كفاءتهم، اختارت المليشيا خلق مسار بديل لهم يضمن لهم شهادات طبية، بغض النظر عن جودتها.

الأمر الأكثر إثارة للقلق، وفقًا للمصادر، هو طبيعة الكادر التدريسي الذي تم تعيينه في الأكاديمية. ا

لغالبية العظمى منهم من خريجي الجامعات السورية التي تتبع منهج التعليم الطبي باللغة العربية، وهم أكاديميون وُصفوا بأنهم "ضعيفو التأهيل وغير مؤهلين لمواكبة التطورات الطبية الحديثة"، مما يرسخ واقعًا تعليميًا هشًا منذ البداية.

العزلة العلمية القاتلة والأخطاء الطبية المتوقعة:

يكمن الخطر الأكبر في قرار فرض اللغة العربية على التعليم الطبي، وهو ما يقطع جسر التواصل مع المراجع العلمية العالمية. فما يقارب 95% من الأبحاث الطبية المنشورة، والمجلات العلمية المحكّمة، والكتب الدراسية المتقدمة، وبرامج التطوير المستمر، تكون باللغة الإنجليزية.

ويحذر الخبراء من أن خريجي هذه الأكاديمية سيجدون أنفسهم في "عزلة علمية قاتلة"، غير قادرين على قراءة الأبحاث الجديدة، أو متابعة البروتوكولات العلاجية المحدثة، أو استخدام الأجهزة الطبية الحديثة.

هذا العزل لن يقتصر تأثيره على عدم قدرتهم على العمل خارج اليمن، حيث لن يتم الاعتراف بشهاداتهم، بل سينعكس بشكل مباشر ومدمر على المرضى داخل البلاد، مع توقع ارتفاع حاد في نسبة الأخطاء التشخيصية والعلاجية التي قد تكلف أرواحًا بشرية.

سياسة ممنهجة لتخريب التعليم الطبي:

لا تأتي أكاديمية الأقصى في فراغ، بل هي تتويج لسياسة ممنهجة اتبعتها المليشيا الحوثية خلال السنوات الماضية لتخريب منظومة التعليم الطبي في مناطق سيطرتها. فبالتوازي مع افتتاح هذه الأكاديمية، قامت المليشيا بما يلي:

  1. تخفيض معايير القبول: خفضت الحد الأدنى لمعدلات القبول في كليات الطب المعترف بها، مما أدى إلى تدفق طلاب ذوي كفاءة متدنية.
  2. التوسع العشوائي: فتحت العشرات من الجامعات والكليات الأهلية غير المؤهلة وغير الملتزمة بالمعايير الأكاديمية، ومنحتها تراخيص لتدريس التخصصات الطبية.
  3. تسييس المناهج: بدأت في فرض مواد نظرية ذات طابع أيديولوجي وطائفي على حساب الساعات العلمية الأساسية في كليات الطب، بهدف غرس الفكر الحوثي في أوساط الأطباء المستقبليين.

خاتمة وتداعيات مستقبلية:

في المحصلة، يمثل مشروع "أكاديمية الأقصى" نموذجًا صارخًا لكيفية استخدام السلطة لتدمير المؤسسات العلمية لخدمة أهداف سياسية وعسكرية. فبدلاً من بناء جيل من الأطباء الأكفاء القادرين على رفع كاهل المعاناة عن شعب يعاني من ويلات الحرب والأزمات الصحية، تعمل المليشيا على إنتاج كادر طبي هش، علميًا معزول، وسياسيًا مسيسًا.

ويحذر مراقبون من أن التداعيات الكارثية لهذه السياسات لن تظهر فورًا فقط، بل ستستمر لعقود قادمة، حيث سيعاني القطاع الصحي اليمني من تراكم الكفاءات الضعيفة، وفقدان الثقة العالمية بالشهادات الطبية الصادرة من مناطق سيطرة الحوثي، وهو ما قد يضع مستقبل صحة أجيال كاملة من اليمنيين على المحك.