مع حلول رمضان.. أكاديمي يمني يصرخ من صنعاء: “ننتظر كرتون تمر” من فاعل خير في ظل انقطاع الرواتب وتفاقم الجبايات
في مشهد يلخص حجم المأساة المعيشية التي يعيشها ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي التابعة لإيران، أطلق الأكاديمي اليمني الدكتور أكرم عطران، عميد مركز التعليم المستمر وخدمة المجتمع بجامعة إب، صرخة موجعة مع اقتراب شهر رمضان المبارك، عبّر فيها عن واقع الانكسار الذي تعيشه أسر الموظفين منذ سنوات.
وقال عطران في منشور على صفحته في “فيسبوك” طالعه "المشهد اليمني": “اليوم عاكفين في بيوتنا في انتظار أن يمنّ الله تعالى علينا من فضله بكرتون تمر أو سلة غذائية من هنا أو هناك..!”، في إشارة إلى تحوّل شريحة واسعة من الأكاديميين والموظفين الحكوميين من مستهلكين قادرين على تلبية احتياجات أسرهم، إلى منتظرين للمساعدات الخيرية.
وأضاف مقارنا بين ما قبل انقلاب جماعة الحوثي على الدولة والوضع الراهن: “مثل هذه الأيام ونحن في المولات والأسواق نستعد بما لذ وطاب لاستقبال الشهر الكريم..!!”، قبل أن يختتم منشوره بالقول: “الحمدلله على كل حال، ولا سامح الله من كان السبب”.
ولم تكن صرخة الأكاديمي عطران مجرد فضفضة شخصية، بل تعبيرًا مكثفًا عن حال آلاف الأكاديميين والمعلمين والموظفين الذين انقطعت رواتبهم منذ نحو عشر سنوات في مناطق سيطرة الحوثيين، في وقت تواصل فيه الجماعة فرض جبايات وإتاوات متعددة تحت مسميات مختلفة.
رمضان بلا رواتب
في أحاديث متفرقة لـ"المشهد اليمني"، قال موظف حكومي في وزارة التربية بصنعاء - فضّل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية - إن "شهر رمضان كان يمثل موسمًا للحركة الشرائية والاستعدادات الأسرية، لكن الحال اليوم تغيّر جذريًا".
وأضاف: “كنا نستلم الراتب ونذهب للأسواق لشراء احتياجات الشهر، اليوم نبحث عمّن يقرضنا أو ننتظر مساعدة من قريب خارج البلاد. الوضع مهين ومؤلم”.
من جانبه، يقول أحد سكان حي مديرية بأمانة العاصة صنعاء إن غالبية الأسر باتت تعتمد على التحويلات المالية من المغتربين في السعودية أو على المساعدات المحدودة التي يوزعها بعض فاعلي الخير خفية دون علم مليشيات الحوثي. وأردف: “الأسعار مرتفعة، والجبايات لا تتوقف، من عاقل حارة إلى ضرائب وزكاة ومساهمات إجبارية. المواطن هو الضحية في النهاية”.
جبايات تثقل الكاهل
خلال السنوات الماضية، فرضت سلطات الأمر الواقع في صنعاء سلسلة من الجبايات تحت عناوين متعددة، بينها ما يُسمى “المجهود الحربي” وفعاليات ومناسبات طائفية، إضافة إلى رسوم مضاعفة على التجار وأصحاب المحال، وهو ما انعكس بدوره على أسعار السلع الأساسية.
ويقول تاجر مواد غذائية في شارع هائل إن القدرة الشرائية تراجعت بشكل غير مسبوق: “الناس تدخل تسأل عن الأسعار وتخرج. حتى شراء التمر - الذي كان أساسيًا في رمضان - أصبح عبئًا على كثير من الأسر”.
ويضيف: “التجار أيضًا تحت ضغط كبير بسبب الرسوم والضرائب المتكررة، وفي النهاية يتحمل المواطن الفارق”.
أزمة ممتدة منذ عشر سنوات
ومنذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء أواخر عام 2014، توقفت رواتب مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين بصورة شبه كاملة أو متقطعة، وسط اتهامات للجماعة بنهب الإيرادات العامة وتوجيهها لصالح أنشطتها العسكرية والأمنية، بدلًا من صرفها للموظفين.
ويرى اقتصاديون أن استمرار انقطاع الرواتب لعقد كامل خلق طبقة واسعة من الفقراء الجدد، بمن فيهم أساتذة جامعات وقضاة وأطباء ومعلمون، كانوا يشكلون عماد الطبقة الوسطى في اليمن.
ويقول أحد الأكاديميين في جامعة صنعاء: “صرخة الدكتور عطران تمثلنا جميعًا. لم نعد نطالب بالرفاهية، بل بالحد الأدنى من الكرامة الإنسانية”.
رمضان في ظل المعاناة
ومع دخول شهر رمضان، تتضاعف الاحتياجات الغذائية للأسر اليمنية، في وقت تتآكل فيه مصادر الدخل وتتصاعد الأسعار. وتخشى كثير من العائلات من عدم قدرتها على توفير متطلبات الشهر، ولو في حدها الأدنى.
يقول رب أسرة مكونة من سبعة أفراد في صنعاء: “رمضان كان شهر فرح ولمّة. اليوم أصبح شهر قلق وحسابات دقيقة لكل ريال. نحاول أن نخفي ضيقنا عن أطفالنا، لكنهم يشعرون بكل شيء”.
وتختزل كلمات الدكتور أكرم عطران - “اليوم عاكفين في بيوتنا في انتظار كرتون تمر” - صورة قاتمة لواقع يعيشه ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث امتزجت المعاناة الاقتصادية بالخذلان، وبات الدعاء بديلاً عن الراتب، وانتظار السلة الغذائية تعويضًا عن حقٍ وظيفي غائب منذ عشر سنوات.