قراءة بنيوية في التدخل الإماراتي جنوب اليمن ودور السعودية في ضبط المسار السيادي

قراءة بنيوية في التدخل الإماراتي جنوب اليمن ودور السعودية في ضبط المسار السيادي

الرد على من يقول إن التدخل الإماراتي في اليمن كان بهدف إعادة الشرعية ومكافحة الإرهاب ، والرد لا يكون بمناقشة مشروعية الشعار ذاته ، بل بفحص نتائجه البنيوية . فالتحليل السياسي لا يُحاكم النوايا المعلنة ، بل يختبر ما الذي أُنتج فعليًا على مستوى الدولة اليمنية ومؤسساتها وتوازناتها الداخلية .

وعليه، فالسؤال ليس: هل كان الهدف مشروعًا؟ بل: هل عززت الأدوات المستخدمة الدولة المركزية وأعادت لها احتكار القوة ، أم أنها أعادت تشكيل المجال السياسي داخلها وخلقت مراكز موازية؟

ومن هنا ينطلق هذا الاختبار التحليلي للفرضية
🔴 اختبار الفرضية : هل نحن أمام أمن وقائي أم إعادة تشكيل مجال سياسي؟
◾️ توصيف الحالة
السياق: انهيار الدولة اليمنية بعد 2014.
التهديد المُعلن: تمدد الحوثيين ، وصعود جماعات مصنفة إرهابية .
الفعل: تدخل عسكري ضمن تحالف ، ثم دعم تشكيلات محلية جنوبية ، ثم بروز المجلس الانتقالي الجنوبي كفاعل (سياسي–عسكري) منظم ومدعوم .

🔴 المعايير الأربعة لتفكيك المشهد:
1️⃣ حدود التدخل: مؤقت أم بنيوي؟
السؤال:
هل كان التدخل مرتبطًا بتهديد محدد وانتهى بانحساره ، أم أنه أنتج بنية سياسية مستدامة؟
الواقع يشير إلى:
🔺تأسيس وتدريب وتمويل قوات محلية .
🔺دعم كيان سياسي له مشروع واضح (الانفصال) .
🔺استمرار العلاقة والدعم عبر سنوات .

هذا يميل إلى بنية مستدامة لا إجراء أمني عابر .
لكن: البيئة اليمنية نفسها مفككة ، وبالتالي أي تدخل سيأخذ طابعًا طويل الأمد بحكم طبيعة الانهيار.
إذاً المؤشر هنا يميل نحو البنية ، لكنه لا يحسم وحده .

2️⃣ الهدف المعلن مقابل النتيجة الفعلية
الهدف المعلن:
🔺محاربة الحوثي
🔺مكافحة الإرهاب
🔺دعم الاستقرار

النتيجة الفعلية في الجنوب:
🔺نشوء كيان سياسي مستقل عن الحكومة المعترف بها .
🔺تعدد مراكز القرار العسكري .
🔺صدامات متكررة بين المجلس الانتقالي والحكومة .

السؤال التحليلي:
هل أدى الدعم إلى تقوية الدولة اليمنية أم إلى خلق قطب موازٍ لها؟

النتيجة الوظيفية تميل إلى تكريس ازدواجية السلطة في الجنوب .

هنا المؤشر يميل باتجاه “إعادة تشكيل المجال” أكثر من “تعزيز المركز”.

3️⃣ أثره على مؤسسات الدولة:
هذا معيار حاسم .
إذا كان الأمن الوقائي مشروعًا ، يفترض أن:
🔺يقوّي الجيش الوطني .
🔺يعزز الحكومة المعترف بها .
🔺يوحّد أدوات القوة .

في الحالة الجنوبية:
🔺ظهرت تشكيلات مسلحة ذات ولاء سياسي مستقل .
🔺لم تُدمج بالكامل في هيكل الدولة.
🔺أصبح الجنوب عمليًا مجال نفوذ سياسي مستقل نسبيًا .
وظيفيًا، هذا يضعف المركز
المؤشر هنا أقوى .

4️⃣ هل يعزز السيادة أم يخلق مراكز قوة موازية؟
وجود المجلس الانتقالي:
🔺كيان سياسي له تمثيل خارجي.
🔺له قوات على الأرض.
🔺له خطاب مختلف عن خطاب الحكومة المركزية .

هذا يُنتج تعددية سيادية داخل الإقليم الواحد .
وظيفيًا، هذا أقرب إلى إعادة هندسة المجال السياسي منه إلى تحصين الدولة القائمة.

هل نحسم النتيجة؟
لا نحسم النية . لكن وفق الإطار الوظيفي الذي وضعناه:
🔺التدخل تجاوز الإجراء الأمني المؤقت.
🔺أنتج فاعلًا سياسيًا–عسكريًا مستدامًا.
🔺أعاد تشكيل موازين القوى داخل الجنوب.
🔺ساهم في ترسيخ بنية مزدوجة للسلطة .

◾️بالتالي يمكن صياغة النتيجة التحليلية كالتالي:
في الحالة الجنوبية اليمنية ، لا تشير المؤشرات البنيوية إلى تدخل ذي طابع أمني ظرفي فحسب بل إلى عملية إعادة تشكيل للمجال السياسي المحلي عبر تمكين فاعل موازٍ لبنية الدولة المركزية . فبدل أن ينتهي التدخل عند حدود تحييد تهديد محدد ، أنتج واقعًا سياسيًا جديدًا قوامه تعدد مراكز القوة داخل المجال الجنوبي ، بما يعكس تحوّلًا من منطق “الاستجابة الأمنية” إلى منطق “إعادة هندسة التوازنات المحلية”. وبهذا المعنى يصبح التدخل أقرب وظيفيًا إلى تأسيس نفوذ ممتد الأثر منه إلى معالجة خطر آني .

غير أن هذا المسار لم يتحرك في فراغ استراتيجي، إذ برز الدور المضاد للسعودية بصفتها قائدة التحالف وصاحبة التفويض السياسي الأول . فالمقاربة السعودية: اتجهت نحو الحفاظ على الإطار السيادي المعترف به دوليًا ، والسعي إلى إعادة مأسسة القرار داخل بنية الدولة اليمنية ، حتى وإن استدعى ذلك إدارة تناقضات داخل معسكر الحلفاء أنفسهم .

◾️وهنا تكمن العقدة التحليلية:
الصراع لم يكن فقط حول من يسيطر على الجنوب ، بل حول أي نموذج للدولة سيخرج من الحرب: دولة ذات مركز معترف به ، أم فضاء موزع بين فواعل مسلحة ذات شرعيات متوازية .