المحور الإثيوبي الإماراتي: استراتيجية التفتيت من النيل إلى البحر الأحمر !

المحور الإثيوبي الإماراتي: استراتيجية التفتيت من النيل إلى البحر الأحمر !

يتبلور في المشهد الجيوسياسي المتوتر أصلاً بالقرن الأفريقي محور غريب بين اثيوبيا والإمارات يتأكد من حين لآخر إذ كشف تقرير لرويترز اليوم تجاوزه حدود الاقتصاد والاستثمار ليأخذ طابعاً استراتيجياً يجعله من أكثر الملفات حساسية في توازنات الشرق الأفريقي والأمن العربي.

فخلف الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن "التعاون التنموي" تظهر وثائق استخبارية وشواهد ميدانية تشير إلى أن إثيوبيا تستضيف معسكراً سرياً لتدريب آلاف من مقاتلي الدعم السريع السودانية في إقليم بني شنقول-قمز غرب البلاد بتمويل ودعم إماراتي مباشر.

هذا النشاط يثير أسئلة مقلقة حول أهداف التحالف، فوجود أكثر من أربعة آلاف مقاتل قرب الحدود السودانية لا يمكن عزله عن مسار الحرب الأهلية هناك. والنتيجة المحتملة هي تعميق الفوضى السودانية وخلق جبهة شرقية جديدة تهدد أمن البلاد واستقرارها. حتى أصبح ساحة لتصفية حسابات إقليمية بين أطراف ترى في تفككه فرصة لإعادة رسم خرائط النفوذ في وادي النيل والبحر الأحمر.

غير أن البعد العسكري ليس سوى وجه واحد من التحالف. فمنذ نحو عقد ضخت الإمارات مليارات الدولارات في الاقتصاد الإثيوبي. ووفقاً للتقرير ذاته، تبلغ الاستثمارات الإماراتية نحو ثلاثة مليارات دولار بينها مليار دولار كوديعة في البنك المركزي الإثيوبي استُخدمت لتمويل سد النهضة. بذلك يتضح أن أبوظبي لم تكن مجرد داعم مالي لتطوير البنية التحتية الإثيوبية بل طرف فاعل في مشروع ذي تبعات استراتيجية تهدد الأمن المائي المصري والسوداني.

وعلى المستوى العسكري، ساعدت الإمارات أديس أبابا عام 2019 في اقتناء منظومة الدفاع الجوي الروسية "بانتسير إس-1" وساهمت في تعزيز منظومات الحماية الإسرائيلية حول السد ما يعني أن الدفاع عنه ضد اي تهديد مصري مزعوم بات قضية إقليمية تتقاطع فيها مصالح أبوظبي وتل أبيب وأديس أبابا. أما سياسياً فقد فضّلت الإمارات النأي بنفسها عن الموقف العربي الداعم لمصر والسودان مكتفية بدعوات "التهدئة والحوار" ما اعتُبر في القاهرة والخرطوم انحيازاً فعلياً لإثيوبيا.

كما ان الخرائط الجيوسياسية تقودنا نحو بعد ثالث: ملف الصومال لاند. فالاتفاق الذي وقعته أديس أبابا مع الإقليم الانفصالي في يناير 2024 والذي يتيح لها استئجار 20 كم من الساحل الصومالي لمدة نصف قرن لبناء قاعدة بحرية لم يكن لينضج لولا الدعم الإماراتي المباشر. فشركة “موانئ دبي العالمية” تمثل العصب الاقتصادي للمشروع حيث تضخ 442 مليون دولار في ميناء بربرة وتملك حصة الأغلبية فيه فيما يموّل صندوق أبوظبي للتنمية جانباً من طريق بربرة - اديس ابابا. بالنسبة للإمارات، هذا الوجود يمنحها نفوذاً متقدماً على أحد أهم الممرات البحرية في العالم ويتيح لها التأثير على توازن القوى في البحر الأحمر.

لكن آثار هذه الصفقات لم تتوقف عند الشأن الاقتصادي. فموقف الصومال الرافض للاتفاق ودخول مصر على الخط باتفاقية دفاع مشترك مع مقديشو في أغسطس 2024، أوجدا محوراً مقابلاً يسعى لاحتواء التمدد الإثيوبي الإماراتي. ومع دخول إسرائيل على الخط في ديسمبر 2025 باعترافها بالصومال لاند، اتضح أن الملف لم يعد محلياً بل جزءاً من ترتيبات جيوسياسية أوسع تشترك فيها تل أبيب وأبوظبي وأديس أبابا.

تجمع الخيوط الثلاثة ــ من تدريب الدعم السريع، إلى تمويل سد النهضة، فصفقة الموانئ على حقيقة مركزية: أن التحالف الإثيوبي الإماراتي يتجاوز الشراكة الاقتصادية التقليدية نحو هندسة نفوذ إقليمي يمتد من منابع النيل إلى مضائق البحر الأحمر. تبدو الإمارات وكأنها تترجم رؤيتها للهيمنة على مسارات التجارة والمياه عبر أدوات اقتصادية واجندة أمنية غير معلنة بينما تجد إثيوبيا في الدعم المالي والعسكري وسيلة لتعزيز طموحها في التحول إلى قوة عظمى أفريقية.

لكن هذه المقاربة تستبطن مخاطر جمّة؛ فهي تعمّق الاستقطاب الإقليمي وتفتح الباب أمام تفتيت دول قائمة، وتمكّن قوى خارجية - اسرائيل وغيرها- من استغلال هشاشة المنطقة لصالح ترتيبات جديدة. ومع أن كل طرف في التحالف يسعى لتعظيم مكاسبه، فإن النتيجة المحتملة هي إشعال مزيد من بؤر الصراع في السودان والصومال واريتريا وتهديد مباشر لأمن مصر المائي وإضعاف للبنية العربية في أحد أهم أقاليمها الحيوية.

إن التحالف الإثيوبي الإماراتي اليوم يمثل نموذجاً لتشابك المصالح في عالم تحكمه الجغرافيا والمياه والممرات البحرية أكثر من الشعارات السياسية. لكنه في جوهره تحالف محفوف بالمخاطر لأن التمدد على حساب استقرار الآخرين نادراً ما يصنع قوة مستدامة. وإذا لم تعِ العواصم العربية خطورة ما يجري في القرن الأفريقي فإنها قد تستيقظ على واقع جيوسياسي جديد يقلص حدود نفوذها ويهدد امنها القومي مِن ما يفترض انها دول "صديقة"!.