الجند.. معجزة النبوة وقلب اليمن المقدس! (1-5)

الجند.. معجزة النبوة وقلب اليمن المقدس! (1-5)

في سلسلة حلقات عن منطقة الجند؛ قلب اليمن ومعجزة النبوة المقدسة، سنمضي في التركيز وتسليط الضوء والبحث على هذا المكان المنسي من الوطن رغم أهميته الجغرافية والتاريخية الثقافية والسياسية والدينية لإعادة الاعتبار إليه وليأخذ حقه من البحث والتوضيح، وهي دعوة للباحثين الميدانيين أن يفتحوا عيونهم على المدينة ويوظفوا جهودهم وعلمهم لإثراء معلوماتها التاريخية.
الجند قلب اليمن
هل ركزت يوماً على موقع الجند في الخارطة وتساءلت عنها، وتفكرت فيها؛ موقعاً، وتضاريس، وتاريخاً وأحداثاً دينية وسياسية وعسكرية وثقافية، لتكتشف كل ما وراء ذلك؟!
بل لماذا حدد النبي -صلى الله عليه وسلم- المكان لمعاذ بن جبل وأوصاه بها على مبرك ناقته كما فعلت في اختيار مكان المسجد النبوي في المدينة المنورة؟!
تعالوا أخبركم بما وراء ذلك وتفاصيله المختلفة..
بتقليب الخارطة الجغرافية في موقع "جوجل إيرث" لتبحث عن موقع الجند في الخارطة اليمنية وربطها ببعث معاذ بن جبل -رضي الله عنه- إليها ليتخذ منها مركزاً للدعوة الإسلامية في اليمن تدرك أهمية تلك الأبعاد من ذلك البعث كعملية إحيائية لتاريخ وفاعلية المنطقة بشكل عام، لما لها من أهمية استراتيجية عبر التاريخ، ولو كنت حاكماً نافذاً لاتخذت من الجند عاصمة اليمن الجديدة.
الباسط بين يديه الخارطة العامة لليمن ويتأمل فيها بدقة يدرك أهمية الجند الجغرافية؛ إذ هي تقع في وسط الزاوية الجنوبية الغربية للخارطة اليمنية؛ سواء الخارطة الجغرافية أو السياسية التاريخية للدول؛ فهي بمثابة القلب للخارطة اليمنية شماله وجنوبه وغربه؛ فهي موقع القلب من الجسد في الدولة اليمنية، ولا شك أنها ستكون قلب اليمن النابض بعد تلك الرسالة والحراك الديني والثقافي والعلمي والسياسي والتاريخي، وقد أسس فيها عاصمة الإسلام الأولى في اليمن.
فبقياس المسافات بينها وبين المراكز اليمنية التي تم الانطلاق لحكمها وولاية معاذ بن جبل عليها، تكاد تكون المسافات الجوية بينها متساوية؛ فبينها وبين عدن 130 كيلو متراً، وبينها وبين زنجبار 134 كيلو، وبينها وبين ميناء ذو باب 130 كيلو، وبينها وبين زبيد مقر أبي موسى الأشعري 108 كيلومترات، وبينها وبين يافع 115 كيلو متراً، وكل هذه المناطق هي حدود إقليم الجند وولاية معاذ الخاصة وحركة الجند فيها، أما العامة فقد كان ولاة اليمن يرجعون إليه من شتى بقاعهم.
الجند: بفتح الجيم والنون يطلق على نفس المخلاف وعلى المدينة، نسبة إلى الجند بن شهر؛ بطن من المعافر، وكانت أحد أمهات مدن اليمن النجدية، وأحد أسواق العرب المشهورة في الجاهلية والإسلام، وأول مدينة باليمن أسس فيها مسجد على التقوى فيه يذكر اسم الله في الإسلام على يد الصحابي العظيم معاذ بن جبل الأنصاري. وقد ذكرتها العرب قبل الإسلام، قال الراجز:
كلفني حبي إغناءَ الولد
والخوف أن يفتقروا إلى أحد
تنقلاً من بلد إلى بلد
يوماً بصنعاء ويوماً بالجند
كانت الجند "إحدى المدن لعصور ما قبل الإسلام بعد اندثارها، والتي كانت إحدى المحطات الهامة للقوافل التجارية.
وقد كان للجند سور على أربعة أبواب منها: باب السلام وباب الحديد، واعتماداً على الوقائع الأثرية في محيط مدينة الجند تؤكد أنها قد خضعت للدولة القتبانية. أما أبو الحسن الهمداني فيرجع اسم المدينة إلى الجند ابن شهر؛ بطن من بطون حمير.
وفي كتاب «تاريخ اليمن» لعمارة الحكمي: وكانت إحدى أمهات مدن اليمن النجدية وأحد أسواق العرب المشهورة في الجاهلية والإسلام.
وقد ذكرها الهمداني في الصفة فقال: "أول مدن اليمن التي سمت نجدها الجند، من أرض السكاسك، ومسجده يعد من المساجد الشريفة كان اختطه معاذ بن جبل، ولا يزال به مجاورة، وإليه زوار، وجميع ما ذكرنا من قرى تهامة اليمانية فإنها تنسب في داوين الخلفاء إلى عمل الجند".
مثلت الجند عبر التاريخ سوق التقاء وبداية انطلاقة التجارة العالمية القديمة؛ كونها تقع عند نقطة تقاطع لقوافل التجارة القادمة من موانئ عدن وذو باب والمخا كما توضحه الخارطة أيضاً، ثم تتجه شمالاً وشرقاً نحو عاصمتي الدولتين سبأ في مارب قديماً وظفار حمير مؤخراً، ثم الالتقاء بالقوافل القادمة من ميناء قنا بشبوة في مارب والاتجاه بعد ذلك نحو طريق اللبان في وسط الجزيرة وغربها وصولاً إلى غزة ومن ثم آسيا الوسطى.
لم يكن دور الجند فقط هذه الوظيفة التجارية؛ فقد كانت سياسياً عاصمة دولة السكاسك اليمنية التي لا يعرف عنها الكثير من الناس، والتي كانت تضم تعز ولحج وإب والضالع وجزءاً من ذمار، ناهيك عن أن تكون مركزاً دينياً وثقافياً وملتقى الأدب والشعر في المرحلة الجاهلية كما كان سوق عكاظ في الجزيرة العربية شمال الطائف.
قال الهمداني في الصفة: "أسواق العرب القديمة: عدن، ومكة، والجند، ونجران، وذو المجاز، وعكاظ، وبدر، ومجنة، ومنى، وحجر اليمامة، وهجر البحرين"( ).
فمكان موقع الجامع كان معبداً لتلك الدولة المطمورة ورثه الإسلام ببناء الجامع كما ورث بقية المعابد في الجزيرة العربية كلها ومنها البيت الحرام وبيت المقدس وغيرها.
مثلت موانئ عدن وباب المندب والمخا بوابة افريقيا إلى الجزيرة العربية والعكس تماماً؛ حيث مثلت تلك الموانئ بوابة عبور من الجزيرة العربية نحو أفريقيا والهند، ومنها عبر الإنسان الأفريقي الأول إلى الجزيرة قبل عشرات آلاف السنين، كما يقول علماء الآثار والانثربولوجيا، ليستقر في اليمن مكوناً مهد البشرية الأولى.
كما كانت المنطقة بوابة ولوج الاحتلال الحبشي المتعدد لليمن منذ القرن الثاني الميلادي وحتى السادس الميلادي.
تعالوا بنا الآن إلى تحديد المكان كمعجزة نبوية لإرسال رسوله ومبعوثه وواليه إليه.
تقول الأحاديث: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين أرسل معاذاً إلى اليمن خرج يودعه من المدينة وهو ممسك بخطام الناقة التي أركبه عليها، وأوصاه بكثير من الوصايا، التشريعية والقضائية والاقتصادية والجغرافية، ومنها تحديد مكان نزوله؛ بأن ينزل بين الحيين؛ السكون والسكاسك، كما في حديث معاذ الذي أورده الإمام أحمد في مسنده.
فعن معاذ أنه كان يقول: بعثني رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن، فقال: "لعلك أن تمر بقبري ومسجدي، قد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم، يقاتلون على الحق مرتين، فقاتل بمن أطاعك منهم من عصاك، ثم يعود إلى الإسلام، حتى تبادر المرأة زوجها، والولد والده، والأخ أخاه، فانزل بين الحيين؛ السكون والسكاسك"، رغم أن هذا الحديث ضعفه بعض رجال الحديث إلا أن له ما يعززه على الأرض من شواهد.
قال ابن عبدالحكم: حدثنا أبو جابر محمد بن عبدالملك، حدثنا الركن بن عبدالله بن سعد، عن مكحول، عن معاذ أن النبي –صلى الله عليه وسلم- يوم بعثه إلى اليمن حمله على ناقة وقال: "يا معاذ: إنطلق حتى تأتي الجند؛ فحيث ما بركت هذه الناقة أذّن وصلّ وابتن فيها مسجداً"، فلما انطلق معاذ انتهى إلى الجند فدارت به الناقة وأبت أن تبرك، فقال: "هل من جند غيرها؟"، قالوا: "نعم. جند ركامة"، فلما أتاه دارت وبركت، فنزل معاذ بها فنادى بالصلاة ثم قام وصلى.
قد تكون رواية ابن الحكم وحيدة ولكن لها ما يدعمها تاريخياً وعلى الأرض من جميع النواحي السياسية والاقتصادية والجغرافية والثقافية والاجتماعية.
ويبدو أن الجند التي وصل إليها معاذ أولاً هي الجند الغربية التي تسمى اليوم بالجندية جوار مدينة القاعدة، والتي توجد بها مدينة أثرية مطمورة من أيام الدولة القتبانية وهي التي تسمى يمنت، وتعارف الناس هناك على تسميتها بـ"اليَمَنَة"، ويبدو أنها كانت مدينة فاعلة وحية ومؤثرة في المحيط حتى أوصى الرسول -صلى الله عليه وسلم- رسوله معاذ إليها واتخاذها عاصمة للدولة الإسلامية هناك ومقر إقامة مبعوثه إلى اليمن.
فما هي المعجزة النبوية التي جعلت الناقة تدور وتبرك ويبنى المسجد بتلك العلامة كما بني المسجد النبوي في المدينة؟!
....يتبع