خيانة لإرادة في بسط سلطة الدولة

خيانة لإرادة في بسط سلطة الدولة

تتمثل المهمة الأساسية للحكومات تجاه شعوبها في تحقيق الاستقرار وتوفير الخدمات الضرورية والرفاه الشامل، من خلال حماية حقوق الإنسان الكاملة، وضمان المساواة بين كل فئات المجتمع، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز الحقوق المدنية والسياسية بوصفها ركائز لتنظيم الحياة العامة.

كما يشمل ذلك تحقيق النمو الاقتصادي، وضمان التوزيع العادل والمنصف للسلطة والثروة، وتطوير البنى التحتية التي تسهّل على الناس التنقل والعمل والاستثمار وخوض معترك الحياة بيسر وسهولة.

ولا يمكن لأي حكومة أن تنهض بمهامها دون إرادة موحدة تجمع أعضاءها على هدف واحد، يتمثل في تطبيق النظام العام بعناصره المتكاملة، والمتمثلة في الحفاظ على الأمن العام، والصحة العامة، والسكينة العامة، وحماية الآداب والأخلاق العامة. وهي العناصر التي تميّز بين مفهوم الدولة وممارساتها المؤسسية، وبين سلوك الميليشيات وأهدافها الساقطة.

إن ما تشهده لبنان من ترحيب في جنوبها بقدوم الدولة وبسط سلطتها، يعكس توق المواطنين إلى الدولة العادلة والخادمة. وسيأخذ هذا الترحيب الشكل ذاته في اليمن، شمالًا وجنوبًا، متى ما حضرت الحكومة اليمنية رافعة شعار الخدمة العامة، لا الهيمنة أو الإقصاء. غير أن المعضلة الحقيقية تكمن في توجهات ونوايا بعض القائمين على السلطة، وفي السؤال الجوهري الذي لا يغيب عن أذهان الناس: هل يحمل هؤلاء همًّا وطنيًا صادقًا؟ وهل تشكّل معاناة الأمة شغف قلوبهم وشغل أوقاتهم؟

أم أن منطق التقاسم السياسي والحزبي والمناطقي سيطغى على أولوياتهم، ليُترك المواطن وحيدًا يتخبّط في معاناته، دون جديد يُذكر؟ إن نجاح أي مهمة وطنية كبرى يستلزم حضور مبادئ أساسية، في مقدمتها اكتمال الرؤية، وقوة الإرادة، ووحدة القرار.

وهي المبادئ التي طالما نادى بها الطامحون وحملة الهم الوطني، لتكون أساسًا لخطط الحكومات السابقة واللاحقة. إلا أن ثقة المواطن بقياداته باتت اليوم على المحك، بعد أن استُنزفت مرارًا قواها نتيجة إخفاقات الماضي المتراكمة. فالشعوب قد تصبر وتتحمّل طويلًا، لكنها حين تبلغ لحظة نفاد الصبر تنفجر، وإذا ما انفجرت تشظّت، وحينها لن يكون بمقدور أحد لملمة الشظايا، وستتسع الجراح لتطال الجميع، بمن فيهم أولئك الانتهازيون الذين لم يفوا بوعودهم ولم يبرّوا بالقسم الذي قطعوه على أنفسهم قبل توليهم المسؤولية.

أولئك الذين أقسموا أمام القيادة السياسية، على خدمة الأمة، والحفاظ على وحدتها، ومحاربة أعدائها، ومداواة جراحها، كلٌّ من موقعه ومن خلال الأجهزة الفنية والإدارية الموكلة إليه، ثم ما لبث بعضهم كعادته أن ينكث بعهده، ويتجه إلى تحقيق أهداف خفية تتعارض تمامًا مع ما أعلنه في البداية. وبالتالي فإن الاتجار بمعاناة الأمة وركوب موجات الألم جريمة أخلاقية ووطنية لا يمكن تبريرها. وأرجو أن لا يتحقق ما جاء في مقال الأستاذ صالح الجبواني تحت عنوان "نصف انتصار..وهزيمة مؤجلة"

كما أن قدرة بعض الشخوص والنخب على تحريك الجماهير وحشدها للخروج، واستغلال تطلعاتها وطموحاتها، حتى تصل إلى كراسي السلطة، لا تعني بالضرورة قدرتهم على إدارة الدولة، أو وضع السياسات العامة الكفيلة ببناء مؤسساتها، أو خوض الحروب الوطنية الهادفة إلى تحرير الوطن وترسيخ دعائم الدولة.

لقد استغلت بعض النخب والقيادات المجتمعية في الآونة الأخيرة خروج الجماهير وهتافاتها، لا من أجل الارتقاء بمطالبها، وفتح الطريق أمام أرباب السياسة والاقتصاد، وتنفيذ أولويات التعليم، ومحاربة المخاطر التي تهدد كيان الدولة، وتحقيق طموحات الشعب، بل لتحقيق مآربها. والأسوأ من ذلك أن بعض هذه الشخوص نكثت بوعودها، ونسجت تحالفات مشبوهة مع قوى خارجية، وقوّضت المشاريع الوطنية، لتتحول إلى بوابات عميلة فُتحت أمام مطامع تلك القوى لفرض أجنداتها الاستعمارية المشبوهة.

وتلك هي القضية الجوهرية التي أخّرت اليمن، وأدخلته في دوامة من الصراعات منذ اندلاع ثوراته الكبرى، وانعكست آثارها السلبية على مختلف مناحي بناء الدولة وخدمة المجتمع، وأَعاقت اللحاق بركب الشعوب المستقرة في حياتها والمتحضرة في أفكارها وسلوكها.