الأهمية الاستراتيجية لعدن بوصفها نقطة ارتكاز جيوبوليتيكي وتجاري في التاريخ العالمي
لم تكن عدن في أي مرحلة من التاريخ ميناءً محليًا عاديًا بل شكّلت باستمرار عقدة تحكّم في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب ، ونقطة تماس بين البر والبحر ، وبين الجزيرة العربية والقرن الإفريقي وآسيا الجنوبية . حضورها المبكر في النصوص الدينية واهتمام الإمبراطوريات بها وتحوّلها إلى ساحة تنافس دولي مبكر ، كلها تؤكد أن عدن كانت تُقرأ تاريخيًا باعتبارها مفتاحًا لمن يطمح للهيمنة على خطوط الملاحة والاقتصاد .
1️⃣ ورد ذكر عدن في التوراة “سِفر حزقيال” ضمن شبكة تجارة سبأ ورعمة وحران وقنا وآشور، بما يعكس موقعها المبكر داخل منظومة التجارة العابرة للقارات، لا كمحطة عبور فقط، بل كسوق رئيسي للذهب والأحجار الكريمة والطيب : النص التوراتي (تجار سبأ ورعمة هم تجارك، بأفخر أنواع الطيب وبكل حجر كريم والذهب أقاموا أسواقك. حران وقنا وعدن تجار سبأ وآشور وكلمد تجارك) .
2️⃣ في القرن السادس عشر ومع التحالف “البرتغالي–الصفوي” ، تظهر عدن كهدف استراتيجي مباشر في رسالة حاكم الهند البرتغالي إلى الشاه إسماعيل ، حيث عُرض الأسطول والسلاح مقابل الهجوم على مكة أو السيطرة على جدة أو عدن ، وهو ما يكشف أن التحكم بعدن كان يُنظر إليه بوصفه مدخلًا لاختراق قلب الجزيرة العربية وضرب منظومتها التجارية والدينية معًا .
3️⃣ حاول الملك الفارسي باداريوس 522 قبل الميلاد تطويق ميناء عدن وعزل الجزيرة العربية عن خط الحرير البحري ، إدراكًا منه أن السيطرة على عدن تعني خنق الشريان الاقتصادي للجزيرة ، في وقت كانت فيه هضبة فارس تعتمد على فائض مؤنها من الجزيرة العربية ، لكن العرب نجحوا في فك الحصار البحري ، ما يبرز عدن كساحة صراع مبكر على الجيوبوليتيك البحري .
4️⃣ حتى في الوعي الثقافي الأوروبي الحديث، تحضر عدن كمركز عالمي للتجارة . الشاعر الفرنسي آرثر رامبو ، خلال إقامته في عدن عام 1880م، يصفها بوصفها عقدة لتجارة البنّ والبهارات والبضائع القادمة من جاوا والمخا والقرن الإفريقي، وهو توصيف أدبي لكنه يعكس حقيقة موقعها كمخزن عالمي للسلع العابرة. عدن أو كما يذيل رسائله
" عدن كامب" كريتر اليوم :
أقمتُ وحيدا في فندق الكون
طفتُ بقهوة (هرر) في موانيء البحر الأحمر والأبيض.
نقلتُ رحيق الآلهة من جاوا ومخا.
حمّصت حبوب البنّ فوق (نار عَدَن)
عدن ليست مجرد مدينة ساحلية بل «عقدة سيادية» تتحكم في مفصل بحري يصل بين البحر الأحمر والمحيط الهندي ، ومن يملك النفوذ فيها يملك قدرة على التأثير في أمن الجزيرة العربية، وفي توازنات التجارة العالمية . لهذا، فإن الصراع على عدن ليس طارئًا ، بل امتداد تاريخي لصراع قديم على مركزية الموقع لا على حدود المدينة .