من احتكار السردية إلى أزمة الإقناع
الانتقال من الحجة إلى التهديد يكشف عن تحول بنيوي في معادلة القوة الناعمة ، حين كانت “إمارة أبوظبي” تمتلك احتكارًا شبه كامل للرواية الإعلامية حول الجنوب اليمني لم تكن بحاجة للتهديد لأن الهيمنة على المجال السردي كانت كافية لتشكيل الإدراك الإقليمي والدولي. لكن حين يظهر صوت منافس قادر على تفكيك هذا الاحتكار يتحول الصراع من إدارة السردية إلى محاولة إسكات السرديات البديلة. هذا التحول نفسه يمثل اعترافًا ضمنيًا بأن القدرة على الإقناع لم تعد كافية وأن “الخطاب الضبياني” حول الجنوب بدأ يفقد مصداقيته أمام الوقائع الميدانية .
استخدام لغة التهديد والترهيب ضد وسيلة إعلامية يعكس ما يمكن تسميته “قلق الهيمنة المهددة” القوة الواثقة من نفوذها تواجه الخطاب المضاد بخطاب أقوى، أما القوة المأزومة فتلجأ إلى محاولة إسكات الصوت الآخر . هذا النمط يتكرر تاريخيًا في سياقات تآكل النفوذ، حيث يصبح العنف الرمزي (أو التهديد به) بديلًا عن العنف الناعم (الإقناع والتأثير) ، والمفارقة أن هذا الأسلوب يحقق عكس ما يريد: فبدلًا من إضعاف مصداقية الصحيفة يمنحها أهمية استراتيجية أكبر ويؤكد أن ما تنشره يمثل تهديدًا حقيقيًا للسردية الاماراتية.
تصدع النموذج الإماراتي في اليمن: فهذه الحادثة تكشف عن أزمة أعمق في النموذج الإماراتي للتدخل في اليمن . فالاستراتيجية الإماراتية اعتمدت على ثلاثة أعمدة: السيطرة الميدانية عبر الوكلاء ، الهيمنة الإعلامية على السردية ، والقدرة على تسويق هذه السردية إقليميًا ودوليًا. لكن حين تفقد السيطرة الميدانية (30 سبتمبر 2025) وتظهر أصوات إعلامية منافسة قادرة على تفكيك السردية الاماراتية والميليشيا المنحلة التابعة لها يصبح التهديد هو الخيار الأخير. هذا يعني أن النموذج الإماراتي في اليمن دخل مرحلة لفظ الانفاس الأخيرة ، وأن الانتقال من “إدارة النفوذ” إلى “إدارة الخوف” يعكس تحولًا من موقع القوة إلى موقع الضعف .
الصراع على السردية كمؤشر للتحولات الإقليمية
هو ما يجعل هذه الحادثة ذات دلالة استراتيجية أوسع: أنها تعكس تحولًا في ميزان القوى الإقليمي فانكسار الاحتكار الإعلامي الإماراتي حول اليمن يتزامن مع صعود فاعلين آخرين قادرين على تشكيل سرديات منافسة. هذا التعدد في مصادر السردية يعني أن الهيمنة الأحادية على تشكيل الإدراك الإقليمي لم تعد ممكنة.
التهديد ليس علامة قوة بل علامة قلق، والانتقال من الإقناع إلى الترهيب يكشف عن أزمة بنيوية في القدرة على الحفاظ على الهيمنة السردية. وهذا بحد ذاته مؤشر على تحولات أعمق في بنية النفوذ الإقليمي وأدواته.