قراءة نقدية لمقابلة جوليان سردية أممية مكرّرة وتوقيت غير بريء
أثار ظهور المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن "جوليان" في مقابلة أُجريت من داخل قصر الأمم المتحدة في جنيف، وبُثّت عبر قناة الميادين، جملة من التساؤلات السياسية والحقوقية التي لا يمكن تجاوزها، سواء من حيث المنصة الإعلامية المختارة، أو مضمون الخطاب، أو توقيت المقابلة.
أولاً: اختيار المنصة ليس تفصيلاً عابراً
قناة الميادين ليست وسيلة إعلام محايدة، بل تُعرف بارتباطها بالمحور الإيراني وخطابها الداعم لحزب الله والحوثيين. ظهور مسؤول أممي رفيع عبر هذه القناة، ومن داخل مقر أممي رسمي، يطرح علامات استفهام جدية حول حياد الأمم المتحدة، وحدود تداخل العمل الإنساني مع الأجندات السياسية، خصوصاً في نزاع مثل اليمن حيث تلعب إيران دوراً مباشراً عبر وكلائها.
ثانياً: أرقام ثابتة رغم تغيّر مستوى التمويل
كرر جوليان، كما تفعل الأمم المتحدة منذ سنوات، نفس الأرقام المتعلقة بعدد اليمنيين الذين يُقال إنهم يعانون من المجاعة أو خطرها، متحدثاً عن 19 إلى 21 مليون شخص. هذه الأرقام لم تتغير تقريباً منذ سنوات طويلة، رغم أن مستوى تمويل خطط الاستجابة الإنسانية تغيّر بشكل كبير.
في السنوات الأولى للحرب، كانت خطط الاستجابة تحظى بنسبة تمويل مرتفعة نسبياً، ومع ذلك كانت الأرقام نفسها تُستخدم. وفي السنوات الأخيرة، ورغم تراجع التمويل ليصل في المتوسط إلى نحو 30 أو 40% فقط من إجمالي الاحتياجات، بقي الخطاب والأرقام ذاتها دون أي مراجعة أو تفسير.
هذا الثبات يثير تساؤلاً مشروعاً:
هل نحن أمام تقييم مبني على مؤشرات علمية متجددة، أم أمام سردية جاهزة تُعاد دون مساءلة؟
ثالثاً: لا مجاعة موثّقة… بل سوء تغذية وانحراف مساعدات
من منظور حقوقي، لا يمكن القبول باستخدام توصيف (المجاعة) دون وجود دراسات علمية مستقلة وموثوقة تستوفي المعايير المعتمدة دولياً. حتى اليوم، لا توجد تقارير أممية أو أبحاث رصينة تثبت وجود مجاعة بالمعنى القانوني في اليمن.
ما هو قائم فعلياً هو سوء تغذية حاد وانعدام أمن غذائي، وهو مرتبط إلى حد كبير بفشل منظومة المساعدات الإنسانية وانحراف المساعدات.
جزء كبير من التمويلات يذهب إلى كلفة التشغيل (رواتب، حوافز، بدلات مخاطر)، والجزء الآخر يتعرض للانحراف والنهب، وهو أمر أقرت به الأمم المتحدة نفسها. كما أن ميليشيا الحوثي تسيطر على عملية التوزيع، وتستخدم المساعدات كورقة نفوذ، وتوجّهها بعيداً عن المستحقين.
ورغم ذلك، لا تزال الأمم المتحدة عاجزة عن فرض رقابة حقيقية أو اتخاذ إجراءات رادعة، مكتفية بتكرار نتائج الفشل دون معالجة أسبابه.
رابعاً: تناقض واضح في ملف الحديدة
يتحدث جوليان عن شبه مجاعة في الساحل الغربي والحديدة، وهو ما يعكس تناقضاً صارخاً في خطاب الأمم المتحدة.
في عام 2018، وعندما كانت الحكومة الشرعية والتحالف العربي على وشك تحرير الحديدة، حذّرت الأمم المتحدة ومنظمات كبرى، مثل أوكسفام، من أن أي عملية عسكرية ستؤدي إلى كارثة إنسانية، بحجة أن الميناء هو الشريان الرئيسي لدخول المساعدات.
اليوم، وبعد سنوات من بقاء الميناء تحت سيطرة الحوثيين، ومع استمرار دخول السفن والمساعدات، تعود الأمم المتحدة للحديث عن مجاعة في الحديدة نفسها.
هذا التناقض يفرض سؤالاً بديهياً:
إذا كان الميناء يعمل والمساعدات تدخل، فلماذا لا تصل آثارها إلى السكان؟ ومن يتحمّل مسؤولية ذلك؟
خامساً: توقيت يثير الشكوك
لا يمكن فصل هذه المقابلة عن توقيتها. فهي تأتي بعد تطورات سياسية وميدانية داخل اليمن، وبعد أحداث حضرموت والمهرة، وفي ظل شعور عام بوجود تحركات ودعم حقيقي من الممكلة العربية السعودية للحكومة الشرعية على المستويات الإنسانية والخدمية.
في هذا السياق، يبدو ظهور جوليان وكأنه محاولة لإعادة رفع خطاب المجاعة والانهيار الإنساني، ليس كتشخيص موضوعي، بل كأداة ضغط، أو نوع من الابتزاز السياسي الموجّه للتحالف العربي والحكومة اليمنية، عبر تحميلهم مسؤولية أزمة إنسانية تعجز الأمم المتحدة نفسها عن إدارتها أو ضبطها.
وبالتالي، ما نحتاجه اليوم ليس إعادة إنتاج السرديات المكرّرة، بل شفافية حقيقية، ومصارحة للرأي العام، ومراجعة جادة لأداء المنظومة الأممية في اليمن.
المطلوب هو الاعتراف بالفشل في إدارة المساعدات، ومساءلة الجهات التي تنهبها أو تعرقل وصولها، بدلاً من استخدام معاناة اليمنيين كأداة خطابية تُستدعى عند كل منعطف سياسي.