(الاختزال الاقتصادي): قراءة مضللة للخلافات الخليجية
ثمة ميل متزايد لتفسير العلاقات الدولية من منظور اقتصادي بحت، كما لو أن الدول مجرد شركات عملاقة تتصارع على حصص السوق، متجاهلاً أن السياسة الخارجية تُصنع في تقاطعات معقدة من الأمن القومي والهوية والاستراتيجية طويلة المدى. هذا الاختزال يبلغ ذروته عندما يُقال إن السعودية تستهدف الإمارات بدافع "الجوع الاقتصادي" في محاولة لتفسير ما يُزعم أنه أزمة خليجية ناشئة. هذا التفسير ليس مجرد تبسيط مخل، بل هو تحريف للواقع يتجاهل حقائق اقتصادية وجيوسياسية راسخة.
الزعم بأن السعودية في حالة “جوع اقتصادي” يتطلب وقفة صارمة ؛ نحن نتحدث عن اقتصاد بحجم يتخطى تريليون دولار، باحتياطيات مالية تتجاوز 450 مليار دولار، وصندوق استثمارات بأصول تفوق تريليون دولار. القطاع غير النفطي ينمو بمعدلات تضاهي الاقتصادات الناشئة الأكثر ديناميكية عالمياً. المشاريع التحويلية الضخمة تسير قدماً بوتيرة غير مسبوقة في المنطقة. أين بالضبط هذا “الجوع” المزعوم؟
تقلبات أسعار النفط ظاهرة دورية عادية تديرها المملكة ببراعة منذ عقود عبر أدوات مالية متطورة. الحديث عن أزمة اقتصادية تدفع لسياسات يائسة ضد حليف استراتيجي هو ببساطة هراء لا يصمد أمام أبسط فحص للبيانات الاقتصادية الفعلية.
ثم لننظر إلى المنطق الأساسي للادعاء: أن السعودية تحاول “زعزعة استقرار” الإمارات “للاستحواذ على حصتها من تدفقات رؤوس الأموال”. هذه الجملة وحدها تكشف جهلاً مذهلاً بكيفية عمل الاقتصاد العالمي. تدفقات رأس المال الدولية ليست لعبة محصلتها معادلة صفرية حيث يجب أن يخسر أحدهم لكي يربح الآخر. المنطقة بأكملها يمكن أن تصبح أكثر جاذبية للاستثمار العالمي عندما تتطور بنيتها التحتية. وتتحسن بيئة الأعمال فيها بالتشريعات المرنة وتعزيز الحوكمة والشفافية. الاقتصاد العالمي بحجم يتجاوز 100 تريليون دولار والمنطقة العربية تستقطب نسبة ضئيلة منه. التنافس على جذب الاستثمارات بين دبي والرياض هو بالضبط كالتنافس بين نيويورك ولندن أو بين سنغافورة وهونغ كونغ ؛ تنافس صحي يرفع مستوى الجميع ولا يعني محاولة تدمير الطرف الآخر.
الأكثر إثارة للسخرية هو تجاهل البعد الأمني والعمق الاستراتيجي للعلاقة السعودية-الإماراتية. نحن نتحدث عن حليفين كان من المفترض أنهما يواجهان تهديدات أمنية مشتركة حقيقية: التوسع الإيراني والجماعات المسلحة العابرة للحدود والارهاب وعدم الاستقرار الإقليمي.
مطلب التنسيق الأمني والعسكري بينهما ليس رفاهية بل ضرورة وجودية. الاستثمارات المتبادلة بينهما تُقدر بمئات المليارات. البنية التحتية المشتركة والتكامل الاقتصادي عبر مجلس التعاون الخليجي يربط مصيرهما بشكل لا يمكن فكه. الروابط الاجتماعية والعائلية عميقة ومتجذرة. أن يزعم أحد أن كل هذا يمكن أن يُنسف بسبب تنافس اقتصادي على جذب مقرات بعض الشركات العالمية هو قمة السذاجة التحليلية.
الأسوأ من كل هذا هو الادعاء بأن المواقف السعودية من إسرائيل واليمن مجرد “واجهات” وأن الدافع الحقيقي هو “المال”. هذا منطق نظريات المؤامرة بامتياز. كافتراض دوافع خفية تناقض التصريحات والسياسات المعلنة دون أي دليل ملموس. السعودية تربط أي تطبيع مع إسرائيل بتقدم حقيقي في القضية الفلسطينية، وهذا موقف استراتيجي يأخذ في الاعتبار القيم الوطنية والرأي العام والمصداقية الإقليمية - أبعاد لا يمكن اختزالها في “حاجة ماسة للمال”. أما اليمن فهو ملف أمن قومي مباشر يتعلق بحدود طويلة مع دولة في حالة فوضى ومنصة تهديدات مباشرة. اختزال هذا كله في حسابات اقتصادية هو تجاهل متعمد للواقع.
الحقيقة البسيطة التي يتجاهلها مثل هذا التحليل الاختزالي هي أن السياسة الخارجية للدول لا تُصنع بناءً على عامل واحد. القرارات الاستراتيجية الكبرى تأخذ في الاعتبار الأمن القومي وتوازن القوى أولاً ، العلاقات والشراكات مع القوى الكبرى، الهوية القومية والشرعية السياسية، الرأي العام، والاعتبارات الاقتصادية - كلها مجتمعة. محاولة اختزال هذا التعقيد في العلاقات الدولية في كون “السعودية جائعة اقتصادياً فتهاجم الإمارات” هي منهجية تحليلية بدائية لا تليق بأي باحث جاد.
العلاقات الخليجية تتسم بالتعقيد الطبيعي: تحالف استراتيجي عميق، تنافس اقتصادي صحي، وخلافات محدودة غالباً تُدار دبلوماسياً. وأحياناً اخفاق بالالتزام بالأمن الجماعي يستلزم مواجهة.
هذا هو الواقع وليس تفسيراً دراماتيكياً مثل “صراع وجودي اقتصادي”. التحليل الجاد يتطلب الشجاعة لمواجهة هذا التعقيد بدلاً من افتراض قوالب تفسيرية مبسطة ومختزلة تخدم سردية درامية بعيدة تماماً عن الحقائق على الأرض.