حكاية تكنوقراط.. ”الحجري” نهاية مسيرة سفير بدون قضية!!
تم تعيين عبدالوهاب الحجري سفيراً لليمن لدى واشنطن في إبريل من العام الماضي 2025.
كان المؤهل الوحيد له أنه "تكنوقراط" وأنه بلا موقف، ولم يسبق له أن أعلن أي موقف من الصراع الدائر في اليمن منذ اندلاع الحرب في 2015. يعني باللهجة الصنعانية "ما بيغثوا احد".
بل ظل يمارس نشاطه من صنعاء إلى قبل سنتين يدير منظمة مجتمع مدني تقرح بالونات وتقرح موازنات وتمويلات خارجية وتوفر دخلاً جيداً للقائمين عليها وفي نفس الوقت "ما بتغثي احد".
بدأ الحجري "التكنوقرواط" الكيوت ممارسة مهامه في السفارة بواشنطن أواخر شهر إبريل من العام المنصرم، يبكر الصباح للدوام في المكتب يقلب الأوراق التي وضعتها له السكرتيرة على الطاولة، ويتبادل الابتسامات مع الموظفين الأنيقين في السفارة، ويراجع جدول المناسبات التي تستدعي حضوره ويراجع بروتكولات حضور الفعاليات وتبادل التهاني مع أصحاب السعادة رؤساء البعثات الدبلوماسية ومن هذا الكلام الكبير.
في ديسمبر الماضي انفجرت أزمة حضرموت التي هدفت من ورائها الإمارات إلى تصفية (المركز القانوني للدولة) وتصفية الشرعية اليمنية وفرض مشروع تفكيك اليمن لتقطف حصاد عشر سنوات من عملها الدؤوب في هذا الإتجاه. فقد وعدت إسرائيل أن تمنحها اليد الطولى للهيمنة على واحد من أهم الممرات الدولية وكان قد حان الوقت لتنجز المهمة وتفي بالوعد.
كان هذا الموضوع معركة وجودية للحكومة المعترف بها دولياً والتي كانت أصدرت قرار تعيين الحجري ليكون ممثلاً لها وناطقاً باسمها ومدافعاً عن سياساتها في أهم بلد في العالم. إلا أن اليمن وقضيته لم يكن حاضراً بين الأوراق التي يقلبها سعادة السفير والمواعيد التي يذهب إليها.
ما الذي صنعه الحجري في هذه الأزمة؟!
رسمياً عزل نفسه عن كل هذه المعمعة وغادر إلى أبو ظبي وبالتالي تم تعطيل السفارة عن مهمتها الأساسية، وربما كان يتمنى أن تنجز أبو ظبي المهمة بسرعة، حتى لا يكلف نفسه عناء اتخاذ موقف قد يتعارض مع مصالحه.
الأمر بدا له أنه لا يستحق من الجهد والتركيز قدر ما يستحقه موضوع تسديد مديونيات تراكمت على السفارة من تكلفة العزومات والحفلات البروتكولية التي واصل إقامتها استمراراً لما جرت عليه العادة خلال 15 عاماً قضاها في فترته الأولى في السفارة ذاتها أيام النغنغة في عهد "الصهير صالح".
الحجري الذي يتعامل مع المنصب كاستحقاق للعائلة، حين تم تعيينه كان يقيم في أبو ظبي، ولا يزال مرتبطاً بمصالح هناك وتفاهمات مع حكومة أبو ظبي التي لا أستبعد أن تكون هي ذاتها قد دفعت باتجاه تعيينه، حتى تضمن عدم صدور أي تحرك دبلوماسي يمني ضدها في واشنطن في حال ذهبت في مخططها. وبالتالي فقد وجد عبدالوهاب الحجري نفسه في موقف حرج بعد أن تفركش المخطط الإماراتي بفعل دخول السعودية بثقلها لمواجهته، فلا هو لحق يدافع عنهم ولا عنده استعداد يتحمل مسؤوليته في تمثيل الموقف الرسمي للحكومة المعترف بها دولياً.
حسب المصادر فقد غادر الحجري السفارة وواشنطن في أواخر ديسمبر إلى أبو ظبي وأرسل استقالته للرئيس العليمي، وخرج كما دخل لم يترك أثراً إلا من بعض ديون على السفارة، وفي أحسن الأحوال فقد كان التعيين بالنسبة له محاولة للتعويض عن انقطاع الحضور عن المشهد الرسمي الذي اعتاده لفترة طويلة من الزمن منذ مغادرته منصبه في السفارة ذاتها في 2012. ويبدو أنه قرر التفرغ لإدارة أعماله الخاصة في أبو ظبي.
ولهذا نقول دوماً إن اللحظات المفصلية في تاريخ البلدان تحتاج إلى مسؤولين يجمعون بين قدر من الكفاءة والنزاهة كمعيار عام في كل مواقع المسؤولية (مع أنه يبدو شبه معدوم في النخبة المتصدرة للمشهد)، وبين الإيمان بالقضية الوطنية، أما الرماديون وأصحاب "اللاموقف" اللي "ما بيغثوا احد" فمهما كانت كفاءتهم وديناميكيتهم وحتى لو هم "بيتحاكوا إنجليزي بلبل"، فإنهم في الأساس "منزوعو الصاعق" الذي هو الإيمان بالقضية والاستعداد للمواجهة من أجلها وتحمل التبعات.
أما الذين لا يعترفون أساساً باليمن ومرتبطين بمشاريع تتناقض مع الجمهورية اليمنية، فهؤلاء لغم موقوت وتعيينهم ليس أكثر من تفعيل لخاصية التدمير الذاتي.