هل يقترب الجيش الأوروبي من الظهور؟.. إليك التفاصيل
عاد الحديث بقوة عن الجيش الأوروبي مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في القارة، حيث تتحرك عدة عواصم أوروبية لإحياء مشروع توحيد القدرات العسكرية. وجاء ذلك بعد تصريحات رسمية أكدت أن الاعتماد الكامل على حلف شمال الأطلسي لم يعد كافيًا لمواجهة التحديات الراهنة. وفي مقدمة هذه الدعوات، شددت الحكومة الإسبانية على أن الجيش الأوروبي أصبح ضرورة استراتيجية لحماية مصالح الاتحاد الأوروبي وتعزيز استقلال قراره الدفاعي في ظل عالم مضطرب.
خلفية تاريخية لمشروع قديم يتجدد
لم تكن فكرة الجيش الأوروبي وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما طُرحت كآلية لاحتواء التهديد السوفيتي وضبط إعادة تسليح ألمانيا. إلا أن المشروع تعثر آنذاك بعد رفض البرلمان الفرنسي عام 1954. واليوم، يرى قادة الاتحاد الأوروبي أن المعطيات السياسية والعسكرية تغيرت جذريًا، وأن الأزمات المتلاحقة تفرض إعادة النظر في إنشاء قوة موحدة قادرة على التحرك السريع دون تعقيدات إجماع الدول السبع والعشرين.
دول تقود الدعم وأخرى تلتزم الحذر
تحظى فكرة الجيش الأوروبي بتأييد واضح من دول مثل إسبانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا، التي تعتبر أن التحديات الحديثة، من الهجمات السيبرانية إلى التمدد العسكري الروسي، تتطلب تنسيقًا عسكريًا أعلى. في المقابل، تتعامل دول شرق أوروبا، وعلى رأسها بولندا وهنغاريا، بحذر شديد، خشية أن يؤدي الجيش الأوروبي إلى إضعاف دور الناتو وتقليص المظلة الأمنية الأمريكية التي تعتمد عليها منذ عقود.
الأزمات الإقليمية تضغط باتجاه التوحيد العسكري
تتزامن هذه الدعوات مع واقع أمني معقد تعيشه القارة الأوروبية، أبرز ملامحه الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ عام 2022، وما خلفته من مخاوف في دول الجوار الشرقي. كما تشهد منطقة البلقان توترات سياسية وعرقية متكررة، إضافة إلى تصاعد خطر الإرهاب والتطرف داخل بعض الدول الأوروبية. ويبرز أيضًا التهديد السيبراني كأحد أخطر التحديات، مع تعرض البنية التحتية الرقمية لهجمات متزايدة، ما يعزز الحاجة إلى الجيش الأوروبي كإطار تنسيقي شامل.
عقبات واقعية أمام تنفيذ الجيش الأوروبي
رغم الزخم السياسي، يواجه مشروع الجيش الأوروبي عدة تحديات جوهرية، في مقدمتها التفاوت الكبير في القدرات العسكرية والتقنية بين الدول الأعضاء. كما يظل الاعتماد التاريخي على الناتو عاملًا معقدًا، خاصة لدى الدول التي ترى في الولايات المتحدة الضامن الأول لأمنها. إلى جانب ذلك، قد تعيق الخلافات السياسية والبيروقراطية سرعة اتخاذ القرار، وهو ما يثير تساؤلات حول فعالية أي قوة موحدة مستقبلًا.
فرص البناء التدريجي وتعزيز النفوذ الدولي
يرى مؤيدو الجيش الأوروبي أن البدء بدمج جزئي للقدرات، مثل الدفاع الجوي والأمن السيبراني والقوات البرية، قد يشكل خطوة عملية نحو بناء منظومة دفاع مشتركة. كما يوفر التعاون الصناعي العسكري بين دول كبرى أساسًا قويًا لتطوير تقنيات متقدمة. ويُتوقع أن يسهم الجيش الأوروبي في تعزيز مكانة الاتحاد الأوروبي عالميًا وتقليل اعتماده على القوى الخارجية في إدارة الأزمات.
خاتمة واستشراف للمستقبل
في المحصلة، يبقى الجيش الأوروبي مشروعًا طموحًا تحكمه توازنات دقيقة بين الطموح السياسي والواقع الأمني. ومع استمرار الأزمات، قد تتجه أوروبا تدريجيًا نحو خطوات عملية تمهد لتحول تاريخي في بنيتها الدفاعية خلال السنوات المقبلة.