هل يكون رشاد العليمي عبد الملك بن مروان؟!

هل يكون رشاد العليمي عبد الملك بن مروان؟!

لا يلحُّ التَّاريخ على الذاكرة طلبًا للإعادة، وإنما يطرقها تنبيهًا إلى السُّنن. وإني كلما أعدتُ النَّظر في سيرة عبد الملك بن مروان (ت: 86هـ)، توقفتُ طويلًا عند لحظة تولّيه الخلافة سنة 65هـ، والدولة يومئذٍ اسمٌ يتداوله النَّاس، وواقعٌ يتقاسمه المتنازعون. لم تكن الخلافة قد انهارت، غير أنها كانت معلّقة بين أيدٍ شتى، لكل يدٍ سيفها، ولكل سيفٍ منطقه، حتى غدت وحدة الاسم أوسع من وحدة السُّلطان.

في تلك السنوات، كان الحجاز والعراق تحت راية عبد الله بن الزبير(ت: 73)، والخوارج (الأزارقة والصفرية) قد استقرَّ لهم الأمر في الأحواز وشرقي الجزيرة، والرُّوم يتحرَّكون على الثغور الشمالية، يختبرون هشاشة الداخل، ويحرّكون الجراجمة في جبل لبنان. كانت الخريطة السياسية موزعة، وكان مركز القرار غائبًا، وكان على الخليفة الجديد أن يختار: إما أن يُدير التصدُّع، أو أن يعالجه من جذره.

هذا المعنى، في جوهره، يعود اليوم في اليمن بلبوسٍ آخر. فمنذ أُسندت في 07/أبريل/ 2022 رئاسة مجلس القيادة إلى رشاد العليمي، لم يكن بين يديه كيانٌ مستجمع، وإنما بلدٌ تتقاسمه سلطات فعلية متعددة، لكلِّ سلطة جيشها، وحدود نفوذها، ومرجعياتها السياسية والأمنية. وزاد الأمر تعقيدًا أنَّ صنعاء نفسها، قلب الدولة التَّاريخي، خارج المعادلة، بيد جماعة الحوثي التي تمسك العاصمة منذ 2014، وتدير كيانًا مغلقًا على منطق السَّلاح والعقيدة، منفصلًا عن أي تصور جامع للدولة. ولذا، استسلم لواقع الحال، ورَكَنَ إلى ممارسة حكم وهمي يشبع ذاته، دون أي حراك حقيقي يسهم في تغيير المعادلة التي أخرجته من حسابها.

عبد الملك بن مروان واجه واقعًا تتعدد فيه الشرعيات، وتتوزع فيه القوة، ويتغذى فيه كل طرف من ضعف الآخر. غير أنَّ ما ميّز تجربته أنه قرأ المشهد قراءة دولة، لا قراءة صراع عابر. ولم يقف عاجزًا، يتغنى بالشَّام وحسنها، ويندبُ حظَّهُ في تشظي أرض الخلافة، لقد تركَ الخصومات تتآكل، راقب الصِّدام بين المختار الثقفي ومصعب بن الزبير، وأحسن اختيار التَّوقيت. دخل العراق سنة 72هـ، فاستعاد مركز الثقل السِّياسي والعسكري، ثم وجّه الحجَّاج (أداة الضَّربِ القاسمة والسوط الذي وحَّدَ التُّراب لحاضرةِ الخلافة الأموية) إلى الحجاز، فانتهى أمر ابن الزبير سنة 73هـ، واجتمعت الخلافة بعد تسع سنين من التَّمزُّق.

كان توحيد السلطان مقدمة كل شيء. بعده جاءت تعريب الدواوين سنة 74هـ، وتعريب العملة في العامين التاليين، وبناء قبة الصخرة بين سنتي 66 و72هـ، ثم الانصراف إلى الثغور والفتوحات. وهذا الترتيب للأولويات يبين أنَّ الدولة لا تُصلح إدارتها ونهضتها وبناءها وهي منقسمة القرار، فالعمران والنَّهضة بحاجةٍ إلى أرض ممتدة لا يشوبها أطماع الارتزاق وأحلام أنصاف القادة.

في اليمن، تتبدى صورة التشظي بوضوح أشد. مأرب كيانٌ قائمٌ بذاته، وتعز فضاء سياسي وعسكري مستقل نسبيًا، والمخا وساحلها الغربي تحت سلطة منظمة بقيادة طارق صالح، وعدن والجنوب مساحة تتقاطع فيها الدولة مع بقايا الانتقالي المنحل، وتثقلها التدخلات الإقليمية. وفوق ذلك كله، صنعاء بيد الحوثي الآثم، تمثِّل سلطة موازية كاملة، تمتلك السِّلاح، وتفرض خطابها، وتستمدُّ بقاءها من دوام الانقسام.

هذا التعدد لا يصنع دولة، ولا يوحد التراب، ولا ينهي القضايا العالقة، وإنما يستهلكها ببطء. والتَّاريخ، حين يُستقرأ بإنصاف، يقرر أنَّ أخطر ما يواجه الكيانات المتصدعة تحوّل التشرذم إلى وضعٍ مألوف، تُبنى عليه المصالح، وتُدار به الصِّراعات، ويُقاوَم أي مسعى جامع باسم الواقعية السِّياسية.

الفارق بين عبد الملك والعليمي قائم، ولا يصحُّ إغفاله. عبد الملك تحرَّكَ في زمن كانت فيه الدولة تملك قرار القوة، أما العليمي فيعمل داخل شبكة إقليمية ودولية كثيفة القيود، تتداخل فيها الإرادات، وتتشابك فيها المصالح. غير أن السنن لا تتغير بتغير الأزمنة؛ فالدولة التي يتعدد فيها السلاح لا تستقيم، والشرعية التي لا تُترجم إلى سلطان جامع تذبل، والكيان الذي يرضى بإدارة الانقسام يطيل عمر أزمته، ولو بدا في الظاهر متماسكًا.

إن سؤال اللحظة اليمنية ليس سؤال الأشخاص، وإنما سؤال المسار: هل تُستعاد فكرة الدولة الواحدة، بقرارٍ واحد وجيش واحد، ثم يُفتح باب التسويات على هذا الأساس؟ أم يُستمر في تدوير المشهد بين كتل متجاورة، تتعايش بلا اندماج، وتتنافس بلا حسم، حتى يغدو الانقسام قدرًا دائمًا؟

عبد الملك بن مروان فهم مبكرًا- وهو سليل الملك والحكم والدهاء- أنَّ الدولة لا تقوم إلا حين يُحسم أمرها في الدَّاخل. واليمن اليوم، وهي تقف بين تعدد الجبهات وتنازع الولاءات، أحوج ما تكون إلى هذا الوعي: وعي أن الخروج من الأزمة يبدأ من استعادة معنى الدولة، لا من تحسين شروط الانقسام.

فإن أُخذت السنن مأخذ الجد، جاءت نتائجها في وقتها. وإن أُهملت، مضت في طريقها غير ملتفتة إلى النيات. والتاريخ، في هذا الباب، لا يعرف المجاملة.

فهل يُقدَّر للعليمي أن يكون فاتحًا، فتجتمع على يديه شتات الدولة؟

وهل يسعفه الزمن ليبلغ منزلة عبد الملك، أم يمضي عابرًا لا تزيده اللحظة إلا اختبارًا؟ ذلك ما لا تحسمه المقالات، وإنما تفصل فيه الوقائع. فالرجال تُعرف عند المنعطفات، وتُوزن بما يُنجز، لا بما يُؤمِّل. أمَّا السُّنن فماضية؛ تُمهل ولا تُحابي، وتكتب الخاتمة لمن أحسن الأخذ بها.